يرحب بكم موقع حسينية النبي الأكرم(ص) مدينة سيدني - استراليه
http://www.h-alnabi.com

بشائرالقرآن بالإمام المهدي

القرآن الكريم، كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

فيه تبيان كل شيء، لا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، ما فرطنا في الكتاب من شيء، وهو آخر الكتب السماوية، كما أن الإسلام آخر الأديان.

أترى القرآن يسكت عن هذا الحادث الجلل الذي يعتبر تبدلاً عظيماً في الحياة؟!

القرآن الذي أخبر عنه غلبة الروم على الفرس، وعن قيام دولة اليهود بالتعاون مع الدول الكبرى.

القرآن الذي أخبر عن يأجوج ومأجوج ومصيرهما في المستقبل.

القرآن الذي أخبر عن إمكانية غزو الفضاء بقوله تعالى: (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان).

أترى القرآن لا يخبر عن ظهور الإمام المهدي واستيلائه على الحكم؟

كلا، إن القرآن الحكيم أخبر عن الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وقيام حكومته في مواضع عديدة وآيات متعددة.

وهذه الآيات مؤولة بالإمام المهدي وظهوه كما صرح بذلك أئمة أهل البيت (عليهم السلام) الذين أنزل القرآن في بيوتهم، وأهل البيت أدرى بما في البيت.

وإليك بعض تلك الآيات:

الآية الأولى: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون).

ونهج البلاغة ج3 قال علي (عليه السلام): لتعطفن الدنيا علينا بعد شماسها عطف الضروس على ولدها، وتلا (عليه السلام) ـ عقيب ذلك ـ قوله تعالى: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين).

قال ابن أبي الحديد في شرحه: إن أصحابنا يقولون: إنه وعد بإمام يملك الأرض ويستولي على الممالك.

أقول: هذا الحديث مروي بطرق عديدة عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولعل الحديث يحتاج إلى شيء من الشرح،: (لتعطفن) يُقال: عطفت الناقة على ولدها أي حنت عليه ودر لبنها، (شماسها) يُقال: شمس الفرس يشمس: أي استعصى على راكبه ومنع ظهره من الركوب، (الضروس): الناقة السيئة الخلق، تعض حالبها.

ومعنى كلامه (عليه السلام): إن الدنيا تقبل على أهل البيت (عليهم السلام) بعد الجفاء الطويل والمكاره الكثيرة، والمقصود: قيام حكومته أهل البيت وانتصاراتهم على أعدائهم، وتذلل جميع الصعوبات التي وقفت حجر عثرة في طريق نهضتهم المقدسة، وتسهل لهم الدنيا لهم صعوبتها، وتحلو بعد مرارتها، وتخضع بعد تمردها، وتنقاد بعد عصيانها.

وعن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: المستضعفون في الأرض، المذكورن في الكتاب، الذين يجعلهم الله أئمة: نحن أهل البيت، يبعث الله مهديهم فيعزهم ويذل عدوهم.

لقد سبقت هذه الآية الشريفة آية تتحدث عن فرعون وجرائمه- فقال عز وجل: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض). فالمعنى الظاهري هو أن الله يعيد لبني اسرائيل عزهم وكرامتهم ويهلك فرعون وزيره هامان وجنودهما.

ولكن تأويل الآية ـ أي معناها الخفي غير المعنى الواضح الجلي ـ هو أن المقصود من المستضعفين في هذه الآية: هو آل محمد (عليهم السلام) فقد استضعفهم الناس وظلموهم وقتلوهم وشردوهم وصنعوا بهم ما صنعوا، وقد قال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أنتم المستضعفون بعدي)، وهذا ماحدث فعلا فإن آل محمد (عليهم السلام) استضعفهم الناس من يوم فارق رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذه الحياة، ولو راجعت كتاب (مقاتل الطالبيين) وغيره من الكتب لوجدت –هناك- أنواع المصائب والمآسي والنوائب التي انصبت على آل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لأن أصحاب السلطة والقدرة استضعفوا هذه الذرية الطاهرة فصنعوا بهم ما شاءت نفوسهم الممتلئة بالحقد والجبروت، حتى وصل الأمر إلى أن الناس كانوا يهدون رؤوس آل محمد إلى الحكام تقربناً إليهم وتفريحاً لقلوبهم، كما فعل ذلك جعفر البرمكي وغيره، وأي استضعاف أشد من هذا؟!.

ولكن الله تعالى قد تعلقت إرادته أن يتفضل على هذه الذرية الطاهرة المظلومة –عبر التاريخ- وعلى أتباعهم وشيعتهم المضطهدين الذين كانوا ولا يزالون يعيشون تحت الضغط والكبت والذل والهوان، المحرومين من أبسط حقوق البشر، الذين سلبتهم السلطات كل حرية وكل كرامة، أن يتفضل عليهم بحكومة تشمل الكرة الأرضية ومن عليها وما عليها.

حكومة حدودها القطبان المنجمدان الشمالي والجنوبي، وجميع المحيطات المترامية الأطراف، وهي الحكومة الوحيدة التي تحكم الأرض ومن عليها، بلا مزاحم أو منافس، وتكون لهم السلطة التامة والقدرة الكاملة.

عن هذه الآية يمكن أن نقول: من الممكن أن يستفاد هذا التأويل من نفس ظاهر الآية، ومن قوله تعالى: (ونريد أن نمن) بلفظ المستقبل، لأن نزول الآية كان بعد آلاف السنين من عصر موسى (عليه السلام) وفرعون، وكان من الممكن أن يقول سبحانه: وأردنا أن نمن. أو: مننا على الذي استضعفوا. كما قال في مكان آخر، بل في أمكنة أخرى: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً).

(كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم).

(ولقد مننا عليك مرة أخرى).

(ولقد مننا على موسى وهارون).

ذكر الله تعالى هذه الآيات بلفظ الماضي، وهنا ذكرها بلفظ المستقبل فقال: ونريد أن نمن.

وهكذا قوله تعالى: (ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) فإنه تعالى لم يقل: وأرينا فرعون وهامان.

وهكذا قوله سبحانه: (نريد) و(نجعلهم) و(نجعلهم) أيضاً، و(نمكن) و (نري) حيث جاءت جميع هذه الألفاظ الستة بصيغة المستقبل لا الماضي.

ولعل قائلاً يقول: إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا قد هلكوا قبل نزول الآية بآلاف السنين، فكيف يمكن تأويل الآية إلى المستقبل؟

الجواب: لقد صار اسم (فرعون) رمزاً لكل سلطان متجبر جائرٍ يتجاوز في ظلمه، فلكل عصر فرعون، ولكل أمة فراعنة.

وقد روي عن الإمام محمد الباقر جعفر الصادق (عليهما السلام) –في تأويل هذه الآية- أن المراد من: (فرعون وهامان) –في هذه الآية- هما رجلان من جبابرة قريش، يحييهما الله تعالى عند ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)- في آخر الزمان –فينتقم منهما بما أسلفا.

(وجنودهما) أتباع الرجلين، الذين تعاونوا معهما، وساروا على خطهما، وأحيوا ذكرهما.

الآية الثانية: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون).

هذه الآية من جملة الآيات المؤولة بالإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ومعنى الآية –على الظاهر-: أن الله تعالى وعد المؤمنين من هذه الأمة، الصالحين بأن يجعلهم يخلفون من قبلهم، أي يجعلهم مكان من كان قبلهم في الأرض، ومن الطبيعي أن البشر لا يعيش إلا في الأرض أي في الكرة الأرضية براً وبحراً، أي يورثهم الله أرض الكفار من العرب والعجم، ويجعلهم الله تعالى يتصرفون في الأرض ويحكمون فيها كما استخلف الله تعالى بعض أوليائه من قبل، وأعطاهم السلطة والإمكانيات والقدرة في تطبيق دين الله الذي ارتضاه لهم، وتتبدل حالة خوفهم إلى حالة الأمن والأمان، لا يخافون أحداً إلا الله، ولا يقدر عليهم أحد من أصحاب القدرة والسلطة، يعبدون الله تعالى بلا خوف ولا تقية من أحد، ويتجاهرون بالحق بكل وضوح.

وخلاصة البحث: أن الله تعالى وعد المؤمنين الصالحين من هذه الأمة بمجتمع طاهر من كل رجس، وحياة طيبة مقدسة فاضلة، هذا هو المعنى الظاهري للآية الكريمة.

إن هذا الوعد الإلهي –المؤكد بلام القسم ثلاث مرات؟ وبنون التأكيد ثلاث مرات أيضاً- لم يتحقق إلى يومنا هذا، ومتى كان المؤمنون الصالحون يتمكنون من الحكم على الناس وتطبيق الإسلام بكل حرية، وبلا خوف من أحد؟!.

ومن هم المؤمنون الذين عملوا الصالحات الذين وعدهم الله تعالى بهذا الوعد العظيم؟!.

ولو راجعت تاريخ الإسلام والمسلمين منذ طلوع فجر الإسلام إلى يومنا هذا لعلمت علم اليقين أن وعد الله تعالى لم يتحقق خلال ألف وأربعمائة سنة.

إنني لا أظن أن مسلماً منصفاً يقبل ضميره بأن يكون المقصود من الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم الأمويون، أو العباسيون، لأن التاريخ المتفق عليه بين المسلمين –بل وغير المسلمين- يشهد بأن الأمويين والعباسيين ارتكبوا أعظم الجرائم، وأراقوا دماء أولياء الله، وهتكوا حرمات الله، وكانت قصورهم مليئة بأنواع الفجور والمنكرات.

وبعد هذا... متى تمكن دين الله ـ الذي ارتضاه لعباده ـ في الأرض؟

حتى يتحقق قوله تعالى: (وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم).

إن الدين الإسلامي كان ولا يزال مهجوراً ضعيفاً يحاربه كل من يستطيع محاربته، إذهب إلى بلاد الصين أو الإتحاد السوفيتي أو بعض البلاد الإفريقية والأوربية حتى تعرف الخوف المستولي على البقية الباقية من المسلمين، والاضطهاد الذي شملهم من جميع جوانب حياتهم، وفي بعض البلاد اللادينية يتعبر اقتناء القرآن أعظم جريمة يستحق الإنسان عليها أعظم العقوبات وأشد أنواع التعذيب، ولا تسأل عن عشرات الملايين من المسلمين الذي قتلوا لأنهم مسلمون وهذا ذنبهم الوحيد، ففي بلاد الصين والإتحاد السوفياتي، ويوغوسلافيا أُقيمت المذابح والمجازر الرهيبة وسالت دماء المسلمين، وحتى اليوم يعاني المسلمون في الفيليبين أنواع الضغط والكبت والحرمان، وفي فيتنام لا يعلم أحد إلا الله عدد المسلمين الذين قتلهم الشيوعيون، ولا تسأل عن عشرات الآلاف من المساجد التي انقلبت إلى اصطبلات ومخازن ومسارح وكنائس، فمتى تحقق وعدُ الله؟!.

من الممكن أن يقول القائل: بأن الإسلام تمكن في الجزيرة العربية وبلاد الشرق الأوسط من البلاد وخاصة في عهد الفتوحات الإسلامية.

نجيب على هذا السؤال بما يلي:

نحن لا ننكر ذلك، فالإسلام كان يحكم على المدينة المنورة في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذن فما معنى هذا الوعد الألهي الذي يقول: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات) إلى آخر الآية؟.

إن معنى هذا الوعد أن الإسلام يحكم على الأرض أي على الكرة الأرضية، والمسلمون يقيمون الطقوس والشعائر الدينية بلا خوف ولا تقية، وأن جميع المناطق المعمورة والمسكونة يسودها الإسلام فقط ولا غيره، وهذا لم يتحقق إلى هذا اليوم.

إن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ذكروا في تأويل هذه الآية الكريمة أن الوعد الإلهي يتحقق عند ظهور الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، والأحاديث تصرح بأن هذه الآية ستنطبق على عصر الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وإليك بعض تلك الأحاديث:

في تفسير مجمع البيان للطبرسي وتفسير العياشي وغيرهما عن الإمام علي ابن الحسن (عليه السلام) أنه قرأ الآية وقال: هم والله شيعتنا أهل البيت، يفعل الله ذلك بهم على يد رجل منا، وهو مهدي هذه الأمة، وهو الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من عترتي، اسمه اسمي، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملأت ظلماً وجوراً.

وروي نفس هذه الكلام عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام).

ثم قال الطبرسي: فعلى هذا يكون المراد بالذين آمنوا وعملوا الصالحات: النبي وأهل بيته (عليهم السلام) وتضمنت الآية البشارة لهم بالإستخلاف، والتمكن في البلاد، وارتفاع الخوف عنهم عند قيام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

وأضاف قائلاً: وعلى هذا إجماع العترة الطاهرة، وإجماعهم حجة، لقول النبي (صلى الله عليه وآله): (إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)، وأيضاً فإن التمكن في الأرض على الإطلاق لم يتفق فيما مضى، فهو منتظر، لأن الله (عز اسمه) لا يخلف وعده.

الآية الثالثة: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون). إن كان المفسرون قد اختلفوا في معنى الزبور، ومعنى الذكر في هذه الآية، فليس الإختلاف جوهرياً، سواء كان المقصود من الزبور –هنا- هو الكتاب السماوي المنزل على النبي الله داود (عليه السلام)، أو كان المقصود من الزبور هو جنس ما أنزل الله على الأنبياء من الكتب، وسواءاً كان المقصود من الذكر في هذه الآية التوراة أو القرآن أو اللوح المحفوظ، -فالمعنى على حد قول المفسرين-: ولقد كتبنا في الكتاب التي أنزلناها على الأنبياء أو في الزبور نزل على داود (عليه السلام) من بعد كتابه في الذكر –أي في أم الكتاب الذي في السماء وهو اللوح المحفوظ أو التوراة أو القرآن-: أن الأرض يرثها عبادي الصالحون.

وقد روى الطبرسي وغيره في تفسير الآية عن الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) أنه قال: هم أصحاب المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان.

إن الموضوع الذي كتبه الله تعالى في الزبور –بجميع معانيه- وفي الذكر ينبغي أن يكون موضوعاً له غاية الأهمية، وخاصة بعد الإنتباه إلى كلمة (لقد) و (أن) المستعملة للتحقيق والتأكيد، فإن كان المفسرون ذكروا أن المقصود من (الأرض) في هذه الآية أرض الجنة ليكون المعنى: أن عباد الله الصالحين يرثون أرض الجنة، أو المقصود هي الأرض ترثها الأمة الإسلامية بالفتوحات فهذا معنى التنزيل.

وأما التأويل –وقد ذكرنا معناه- فيكون المعنى أن عباد الله الصالحين يحكمون الأرض كلها، وقد روى الشيخ الطوسي (عليه الرحمة) في التبيان في تفسير الآية عن الإمام الباقر (عليه السلام): أن ذلك وعد الله للمؤمنين بأنهم يرثون جميع الأرض.

وهذه الآية تشبه الآية السابقة من حيث المعنى، حيث يقول تعالى: (ليستخلفنهم في الأرض) وما أجمل التعبير بالإرث والإستخلاف في هاتين الآيتين، فالإرث انتقال المال من الميت إلى الحي، والإستخلاف جعل هذا مكان ذاك عوضاً منه وبدلاً عنه.

الآية الرابعة: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون).

لقد تكررت هذه الآية في القرآن ثلاث مرات، مما يدل على أهمية الموضوع.

ولقد تكرر منا الكلام حول التنزيل والتأويل، وهذه الآية أيضاً لها تنزيل وتأويل، فالتفسير أو التنزيل للآية: أن الله تعالى أرسل رسوله محمداً (بالهدى) من التوحيد وإخلاص العبادة، (دين الحق) وهو دين الإسلام (ليظهره) الظهور –هنا-: العلو بالغلبة بكل وضوح، قال تعالى: (كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا إلا ولا ذمة) أي يغلبوكم ويظفروا بكم.

فمعنى: (ليظهره على الدين كله) أي يعلو ويغلب دين الحق على جميع الأديان، فإن كان هذا الكلام قد تحقق وكانت الإرادة الإلهية قد تنجزت فالمعنى أن الله تعالى قد أدحض وزيف جميع الأديان الباطلة والملل والشرائع المنحرفة، زيفها بالقرآن وبالإسلام، وبعبارة أوضح إن الإسلام قد أبطل ونسخ جميع الأديان، ورد على كل مُلحد أو زنديق وعلى كل من يعبد شيئاً غير الله.

أما إذا أردنا أن نتحدث عن الآية عددهم أقل من ربع سكان الأرض، فإن هذا الهدف الإلهي لم يتحقق بعد، فالمسلمون عددهم أقل من ربع سكان الأرض، والبلاد الإسلامية تحكمها قوانين غير إسلامية، والأديان الباطلة تنبض بالحياة والنشاط، وتتمتع بالحرية، بل تجد المسلمين في بعض البلاد أقلية مستضعفة لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً، إذا فأين غلبة الحق على الباطل، وأين قوله تعالى: (ليظهره على الدين كله) وفي أي تحقق هذا المعنى؟.

إن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ذكروا في تأويل الآية أنها تتعلق بعصر الإمام المهدي (عليه السلام) وظهوره.

وأما الأحاديث الواردة في تأويل الآية فإليك بعضها:

في كتاب مجمع البيان –في تفسير الآية- عن عبابة أنه سمع أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله) أظهر ذلك بعد؟ قالوا: نعم. قال (عليه السلام): كلا، فو الذي نفسي بيده حتى لا تبقى قرية إلا وينادي فيها بشهادة أن لا إله إلا الله بكرة وعشياً. وفي تفسير البرهان: فلا، والذي نفسي بيده حتى لا تبقى قرية إلا ونودي فيها: بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله بكرة وعشياً.

وفي تفسير البرهان ـ أيضاً ـ عن ابن عباس في قوله (عز وجل): (ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) قال: لا يكون ذلك حتى لا يبقى يهودي ولا نصراني ولا صاحب ملة إلا صار إلا الإسلام، حتى تأمن الشاة والذئب والبقرة والأسد، والإنسان والحية، حتى لا تقرض فارة جرباً وحتى توضع الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، وهو قوله تعالى: (ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) وذلك يكون عند قيام القائم (عليه السلام).

وفي تفسير البرهان عن كتاب الكافي عن أبي الفضيل عن الإمام أبي الحسن الكاظم (عليه السلام) قلت: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله)؟ قال (عليه السلام): هو أمر الله رسوله بالولاية والوصية، والولاية: هي دين الحق. قلت: 0ليظهره على الدين كله)؟ قال(عليه السلام): يظهره على جميع الأديان عند قيام القائم (عليه السلام).

وروى القندوزي الحنفي في كتابه (ينابيع المودة) والمجلسي (رضوان الله عليه) في كتابه (بحار الأنوار) عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير الآية حديثاً، أما ما ذكره القندوزي فهو كما يلي:

قال (عليه السلام): والله ما يجيء تأويلها حتى يخرج القائم المهدي (عليه السلام) فإذا خرج لم يبق مشرك إلا كره خروجه، ولا يبقى كافر إلا قُتل.. إلى آخر الحديث.

وأما ما ذكره المجلسي: فعن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) عن قوله تعالى في كتابه: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) فقال (عليه السلام): والله ما أُنزل تأويلها بعدُ. قلت: جعلت فداك ومتى ينزل؟ قال: حتى يقوم القائم إن شاء الله فإذا خرج لم يبق مشرك.. إلى آخر الحديث.

إن الآيات المأولة بالإمام المهدي –حسب ما ورد في الأحاديث- كثيرة جداً وقد جمع بعضها العلامة المعاصر السيد صادق الشيرازي في كتاب سماه: (المهدي في القرآن) فإنه ذكر (106) من الآيات المأولة بالإمام المهدي (عليه السلام) وقد نقلها عن مصادر أهل السنة فقط، ولو أردنا استعراض تلك الآيات والأحاديث الواردة في تأويلها لطال بنا الكلام، وفي هذا المقدار كفاية إن شاء الله.

بشائر المهدي في الأحاديث النبوية

إن الأحاديث والبشائر بالإمام المهدي (عليه السلام) تشكل أكبر طائفة وأكثر كمية من مجموع الأحاديث المروية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن العجيب أن أكثر الأحاديث الموجودة في كتب أهل السنة حول الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) مروية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأسانيد متعددة ومضامين متنوعة.

فتارةً يبشر رسول الله (صلى الله عليه وآله) المسلمين بالإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في ضمن الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)، وأنه هو الثاني عشر، وتارة أخرى يخبر عنه أنه من ولد فاطمة الزهراء ( عليها السلام)، وأنه من صلب الحسين، وأن الإمام التاسع من ولد الحسين (عليه السلام).

والرسول (صلى الله عليه وآله) كان يخبر عن الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في مناسبات عديدة ومواقف كثيرة ومواطن حساسة جداً، مما يدل على أهمية الموضوع غاية الأهمية، وإلا فما الداعي إلى هذا الاهتمام وإلى هذه العناية بالموضوع، والإلحاح والتكرار والتركيز في الأخبار عن الإمام المهدي (عليه السلام)؟.

من هذه الأحاديث ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي لإثنا عشر، أولهم أخي وآخرهم ولدي. قيل: يا رسول الله ومن أخوك؟ قال: علي بن أبي طالب. قيل: ومن ولدك؟ قال: المهدي الذي يملؤها –أي يملأ الأرض- قسطاً وعدلاً كما ملأت جوراً وظلماً، والذي بعثني بالحق بشيراً لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه ولدي المهدي، فينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلفه، وتشرق الأرض بنور ربها، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب.

وعن حذيفة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) المهدي رجل من ولدي، وجهه كالكوكب الدري.

وعن حذيفة أيضاً قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) المهدي رجل من ولدي، وجهه كالكوكب الدري، اللون لون عربي، والجسم جسم إسرائيلي، يملأ الأرض عدلاً كما ملأت جوراً، يرضى في خلافته أهلُ السماء، والطير في الجو، يملك عشرين سنة.

وعن الإمام محمد بن علي الباقر عن آبائه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): المهدي من ولدي، يكون له غيبة، وحيرة تضل فيها الأمم، يأتي بذخيرة الأنبياء (عليهم السلام) فيملؤها عدلاً وقسطاً كما ملأت جوراً وظلماً.

وروى القندوزي الحنفي عن أبي بصير عن الصادق جعفر بن محمد عن آبائه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): المهدي من ولدي، اسمه اسمين وكنيته كنيتي، وهو أشبه الناس بي خلقاً وخلقاً، يكون له غيبة وحيرة في الأمم حتى تضل الخلق عن أديانهم، فعند ذلك يقبل كالشهاب الثاقب، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملأت ظلماً وجوراً.

وروى المجلسي عن الشيخ المفيد عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) –لفاطمة- (في مرضه): والذي نفسي بيده لا بد لهذه الأمة من مهدي، وهو والله من ولدك.

عن مكحول عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قلت يا رسول الله أمنا –آل محمد- المهدي أم من غيرنا؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا، بل منا، بنا يختم الله الدين كما فتح الله بنا، وبنا ينقذون عن الفتنة كما أنقذوا من الشرك، وبنا يؤلف الله بين قلوبهم بعد عداوة الفتنة إخواناً كما ألف بين قلوبهم بعد عداوة الشرك، وبنا يصبحون بعد عداوة الفتنة إخواناً كما أًصبحوا بعد عداوة الشرك إخواناً.

إن سؤال الإمام أمير المؤمنين من رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قبيل تجاهل العارف، فهو يسأل عما يعلم وكأنه لا يعلم وذلك لغرض يقصده، وهذا النوع من الكلام وارد في القرآن والأحاديث بل وفي العُرف أيضاً قال تعالى: (وما تلك بيمينك يا موسى).

عن هشام بن سالم عن الإمام الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): القائم من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، وشمائله شمائلي، وسنته سنتي، يقيم الناس على ملتي وشريعتي، ويدعوهم إلى كتاب الله عز وجل، من أطاعه أطاعني، ومن عصاه عصاني، ومن أنكره في غيبته فقد أنكرني، ومن كذبه فقد كذبني، ومن صدقه فقد صدقني، إلى الله أشكو المكذبين لي في أمره، والجاحدين لقولي في شأنه، والمضلين لأمتي عن طريقته، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

عن إبن عباس قال: قال رسول الله ( صلى الله عليه و آله وسلم ) : علي بن أبي طالب إمام أمتي، وخليفتي عليهم بعدين ومن ولده القائم المنتظر الذي يملأ الله (عز وجل) به الأرض عدلاً وقسطاً كما ملأت جوراً وظلماً، والذي بعثني بالحق بشيراً: إن الثابتين على القول به –في زمان غيبته- لأعز –أي أقل وأندر- من الكبريت الأحمر. فقام إليه جابر بن عبد الله الأنصاري فقال: يا رسول الله وللقائم من ولدك غيبة؟ فقال: أي وربي (وليمحصن الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) يا جابر إن هذه الأمر من أمر الله، وسرٌ من سر الله، مطوي ـ أي مستور ـ عن عباده، فإياك والشك في أمر الله فهو كفر.

عن أبي سعيد الخدري ـ في حديث طويل ـ قال: قال رسولا الله (صلى الله عليه وآله) –لفاطمة-: يا بنية: إنا أعُطينا ـ أهل البيت ـ سبعاً لم يعطها أحد قبلنا:

نبينا خير الأنبياء، وهو أبوك.

ووصينا خير الأوصياء وهو بعلك.

وشهيدنا خير الشهداء وهو عم أبيك حمزة.

ومنا من له جناحان خضيبان يطير بهما في الجنة وهو ابن عمك جعفر.

5و6- ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك الحسن والحسين.

7- ومنا –والله الذي لا إله إلا هو- مهدي هذه الأمة، الذي يصلي خلفه عيسى بن مريم، ثم ضرب بيده على منكب الحسين (عليه السلام) فقال: من هذا، ثلاثاً. أي قال (صلى الله عليه وآله): -من هذا- ثلاث مرات. وفي كتاب (البيان) للشافعي الكنجي قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من هذا مهدي هذه الأمة.

عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ينزل عيسى بن مريم (عليه السلام) فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا، فيقول: ألا: إن بعضكم على بعض أُمراء، تكرمةً من الله عز وجل لهذه الأمة.

في كتاب فرائد السمطين عن الإمام علي بن موسى الرضا عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (من أحب أن يتمسك بديني ويركب سفينة النجاة بعدي فليقتدِ بعلي بن أبي طالب، وليعاد عدوه، وليوال وليه، فإنه وصيي وخليفتي على أمتي، في حياتي وبعد وفاتي، وهو إمام كل مسلم، وأمير كل مؤمن بعدي، قوله قولي، وأمره أمري، ونهيه نهيي، وتابعه تابعي، وناصره ناصري، وخاذله خاذلي، ثم قال (صلى الله عليه وآله): من فارق علياً بعدي لم يرني ولم أره يوم القيامة، ومن خالف علياً حرم الله عليه الجنة وجعل مأواه النار، ومن خذل علياً خذله الله يوم عليه، ومن نصر علياً نصره الله يوم يلقاه، ولقنه حجته عند المسألة.

ثم قال (صلى الله عليه وآله): الحسن والحسين إماماً أُمتي بعد أبينهما، وسيدا شباب أهل الجنة، أمهما سيدة نساء العالمين، وأبوهما سيد الوصيين، ومن ولد الحسين تسعة أئمة، تاسعهم القائم من ولدي، طاعتهم طاعتي، ومعصيتهم معصيتي، إلى الله أشكو المنكرين لفضلهم، والمضيعين لحرمتهم بعدي، وكفى بالله ولياً وناصراً لعترتي وأئمة أمتي، ومنتقماً من الجاحدين حقهم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).

وقال (صلى الله عليه وآله) –في خطبة يوم الغدير وبحضور 120 ألف مسلم-: (...معاشر الناس: النور من الله عز وجل، في مسلوك، ثم في علي، ثم في النسل منه إلى القائم المهدي، الذي يأخذ بحق الله وبكل حقٍ هو لنا... إلى آخر الخطبة الشريفة).

لقد مر عليك ـ في الأحاديث النبوية ـ أن الرسول (صلى الله عليه وآله) يحلف بالله، ويقول: (والذي بعثني بالحق بشيراً) أو (والذي نفسي بيده) أو (منا –والله الذي لا إله إلا هو- مهدي هذه الأمة) كل ذلك تأكيداً لهذه الحقيقة، وتثبيتاً للموضوع، ولا يكتفي الرسول الصادق الأمين (صلى الله عليه وآله) بهذا حتى يقول: لو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم واحد... ويقصد (صلى الله عليه وآله) أن هذا الأمر كائن قطعاً وبلا شك، وحتى إذا طالت الأزمنة، بل وحتى لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد فلا بد وأن يظهر الإمام المهدي (عليه السلام) وهذا منتهى المبالغة في التأكيد والتحقيق.

وقد سمعت وقرأت أن الرسول (صلى الله عليه وآله) يتحدث عن الإمام المهدي بأنه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بعد ما ملأت ظلماً وجوراً، ولهذه الكلمة تحقيق وشرح يأتيك في المستقبل القريب.

وأما ذكر الظلم والجور معاً، والقسط والعدل معاً –كما مر عليك في الأحاديث- فمن الممكن أن يكون المقصود من قوله: (تملأ ظلماً وجوراً) انتشار الظلم من عامة الناس، وانتشار الجور من الحكام. وأن يكون المقصود من قوله: (يملؤها قسطاً وعدلاً) القسط من الحكام والعدل من عامة الناس، وسيأتيك مزيد من التفصيل في فصل: (حياة المجتمع في عصره).

وقد مر عليك كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) حول الإمام المهدي (عليه السلام): (اللون عربي والجسم إسرائيلي) أي أنه مثل بني إسرائيل في طول القامة، فإن الكثير من الساكنين في البلاد الأردن وفلسطين طوال القامة وهم من بقايا بني إسرائيل، أي من ذرية يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن (عليهم السلام) وليس جسمه (عليه السلام) كأجسام اليابانيين أو أهل الصين أو ساكني بلاد شرق آسيا، فإن أجسامهم –على الأغلب- قصيرة أو متوسطة

 

بشائر الأئمة الطاهرين بالمهدي

تجد في موسوعات الأحاديث (كالكافي والبحار وغيرهما) طائفة كثيرة من البشائر التي رُويت عن أئمة أهل البيت بالإمام المهدي (سلام الله عليهم أجمعين) في شتى المناسبات مما يدل على اهتمام الأئمة (عليهم السلام) بهذا الموضوع، بل على أهمية الموضوع.

ولا عجب إذا كانت كميات الأحاديث الواردة عن الأئمة تختلف من حيث القلة والكثرة، والإجمال والتفصيل، فالظروف كانت تختلف، والحريات كانت تتفاوت حسب تبدل الظروف السياسية التي كانت لا تسمح لنشر هذه الحقيقة بصورة مكشوفة، أو التحدث عنها بصورة مفصلة، وإليك نبذة من تلك الأحاديث المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام):

روى الشيخ الصدوق في (إكمال الدين) بسنده عن أبي جعفر الثاني (الإمام محمد الجواد) عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: للقائم منا غيبة، أمدها طويل، كأني بالشيعة يجولون جولان النعم في غيبته، يطلبون المرعى فلا يجدونه؛ ألا فمن ثبت منهم على دينه ولم يقس قلبه لطول أمد إمامه فهو معي في درجتي يوم القيامة، ثم قال: إن القائم منا إذا قام لم يكن لأحد في عنقه بيعة، فلذلك تخفي ولادته ويغيب شخصه.

وروى الصدوق أيضاً عن الإمام الرضا عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) أنه قال –للحسين (عليه السلام): التاسع من ولدك يا حسين هو القائم بالحق، المظهر للدين، الباسط للعدل، قال الحسين (عليه السلام): فقلت يا أمير المؤمنين وإن ذلك لكائن؟.. فقال: إي والذي بعث محمداُ بالنبوة واصطفاه على جميع البرية، ولكن بعد غيبة وحيرة، لا يثبت فيها على دينه إلا المخلصون المباشرون لروح اليقين، الذين أخذ الله ميثاقهم بولايتنا، وكتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه.

وفي كتاب نهج البلاغة: قال (عليه السلام): فانظروا أهل بيت نبيكم فلئن لبدوا فالبدوا وإن استنصروكم فانصروهم. فليفرجن الله الفتنة برجل منا أهل البيت، يأتي ابن خير الإماء، لا يعطيهم إلا السيف هرجاً هرجاً موضوعاً على عاقته ثمانية أشهر، حتى تقول قريش: لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا؛ يغريه الله ببني أميه –أي يسلطه الله عليهم- حتى يجعلهم حطاماً و رفاتاً، ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً، سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

وفي (ينابيع المودة) ص467 عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: سيأتي الله بقوم يحبهم الله ويحبونه، ويملك من هو بينهم غريب، فهو المهدي، أحمر الوجه، بشعره صهوبة يملأ الأرض عدلاً بلا صعوبة، يعتزل في صغره عن أمه وأبيه، ويكون عزيزاً في مرباه، فيملك بلاد المسلمين بأمان، ويصفو له الزمان، ويسمع كلامه، ويطيع الشيوخ والفتيان، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، فعند ذلك كملت إمامته وتقررت خلافته، والله يبعث من في القبور فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم، وتعمر الأرض وتصفو تزهو بمهديها، وتجري به أنهارها، وتعدم الفتن والغارات، ويكثر الخير والبركات.

وفي كتاب (منتخب الأثر) عن كتاب تذكرة الخواص، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة في مدح النبي والأئمة (عليهم السلام) قال: فنحن أنوار السماوات والأرض، وسفن النجاة، وفينا مكنون العلم، وإلينا مصير الأمور، وبمهدينا تقطع الحجج، فهو خاتم الأئمة، ومنقذ الأمة، ومنتهى النور، وغامض السر، فليهنأ من استمسك بعروتنا وحشر على محبتنا.

وأيضاً في كتاب (منتخب الأثر) عن (ينابيع المودة) للقندوزوي الحنفي عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): يظهر صاحب الراية المحمدية، والدولة الأحمدية، القائم بالسيف والحال الصادق في المقال، يمهد الأرض، ويحيي السنة والفرض.

وفي كتاب عقد الدرر: قال علي بن أبي طالب: إذا نادى مناد من السماء: إن الحق في آل محمد. فعند ذلك يظهر المهدي على أفواه الناس يشربون ذكره، فلا يكون لهم ذكر غيره.

في كتاب (إكمال الدين) للشيخ الصدوق بإسناده عن أبي جعفر (الإمام محمد الباقر) عن أبيه عن جده (عليهم السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) –وهو على المنبر-. يخرج رجل من ولدي في آخر الزمان، أبيض اللون، مشرب بالحمرة مبدح البطن عريض الفخذين، عظيم مشاش المنكبين بظهره شامتان: شامة على لون جلده، وشامة على شبه شامة النبي (صلى الله عليه وآله) له اسمان: اسم يخفي واسم يعلن: فأما الذي يخفي فأحمد، وأما الذي يعلن: محمد. فإذا هز رايته أضاء لها ما بين المشرق والمغرب، ويضع يده على رؤوس العباد فلا يبقى مؤمن إلا صار قلبه أشد من زبر الحديد، وأعطاه الله قوة أربعين رجلا، ولا يبقى ميت من المؤمنين إلا دخلت عليه تلك الفرحة في قلبه وهو في قبره، وهم يتزاورون في قبورهم، يتباشرون بقيام القائم (عليه السلام).

وروى القندوزي في (ينابيعه) هذه الأبيات لأمير المؤمنين (عليه السلام):

حسين إذا كنت في بلدة*** غريباً فعاشر بآدابها

إلى أن يقول:

سقى الله قــــــائمنا صاحـــــب*** القيامــــــة، والناس في دابها

هو المدرك الثار لي يا حســــ*** ين بل لــــــك، فاصبر لأتعابها

وفي أواخر لحظات حياته المشرقة وأثناء وصيته لابنه يقول الإمام علي(عليه السلام): يا بني يا حسن –وكبر علي سبعاً- واعلم أنه لا يحل ذلك على أحد غيري إلا على رجل يخرج في آخر الزمان اسمه: القائم المهدي، من ولد أخيك الحسين يقيم اعوجاج الحق.

والأحاديث المروية عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حول الإمام المهدي كثيرة جدا.

ولم يهمل الإمام الحسن (عليه السلام) التنويه والإشادة بالإمام المهدي (عليه السلام).

فحينما كان يتحدث عن ظروفه الصعبة انتهز الفرصة ليقول:

.... أما علمتم أنه ما منا أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم الذي يصلي روح الله عيسى بن مريم خلفه، فإن الله عز وجل يخفي ولادته، ويغيب شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج، ذاك التاسع من ولد الحسين، ابن سيدة الإماء، يطيل الله عمره في غيبته، ثم يظهره بقدرته في صورة شابٍ ابن دون أربعين سنة، ذلك ليعلم أن الله على كل شيء قدير.

كما لم يترك الإمام الحسين (عليه السلام) الفرصة أن تفوته، بل كان ينتهزها بالإخبار عن الإمام المهدي (عليه السلام) والإشادة به والتحدث عنه، فمثلاً: يقول (عليه السلام) لعبد الله بن عمر:

لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله (عز وجل) ذلك اليوم حتى يخرج رج من ولدي يملأها عدلاً وقسطاً كما ملأت جوراً وظلماً، كذلك سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول.

ويقول (عليه السلام) –لرجل من همدان-: قائم هذه الأمة هو التاسع من ولدي، وهو صاحب الغيبة، وهو الذي يقسم ميراثه وهو حي.

وفي كتاب (عقد الدرر) بسنده عن الحسين بن علي (عليهما السلام) قال: لو قام المهدي لأنكره الناس، لأنه يرجع إليهم شاباً وهم يحسبونه شيخاً كبيراً.

وروى الشيخ الصدوق في إكمال الدين بإسناده عن عبد الرحمن بن سليط قال: قال الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام): منا اثنا عشر مهدياً، أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وآخرهم التاسع من ولدي، وهو الإمام القائم بالحق، يحيي الله به الأرض بعد موتها ويظهر به دين الحق على الدين كله ولو كره المشركون، له غيبة يرتد فيها أقوام، ويثبت فيها على الدين آخرون، فيؤذون ويقال لهم: (متى هذا الوعد إن كنتم صادقين).

أما إن الصابر –في غيبته- على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وروى الصدوق أيضاً عن عيسى الخشاب قال: قلت للحسين بن علي (عليهما السلام): أنت صاحب هذا الأمر؟.

قال: لا.. ولكن صاحب الأمر الطريد الشريد، الموتور بأبيه، المكنى بعمه يضع سيفه على عاتقه ثمانية أشهر.

ومن المبشرين بالمهدي أيضا، زين العابدين وسيد الساجدين الإمام علي بن حسين (عليهما السلام)، ومما يجدر الانتباه إليه هو أن الإمام أشار إلى هذه الحقيقة في ساعة يعجز القلم عن وصفها، فلقد عاش الإمام زين العابدين (عليه السلام) واقعة كربلاء الدامية، وفقد في يوم كربلاء (عاشوراء) أباه الإمام الحسين (عليه السلام) وعشيرته وأغصان الشجرة الطيبة في غضون يوم واحد، وانصبت عليه الفجائع، الواحدة تلو الأخرى في خلال ساعات، وحكموا عليه بالإعدام ثلاث مرات:

الأولى: في كربلاء بعد شهادة أبيه سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام).

الثانية: في الكوفة، وفي مجلس عبيد الله بن زياد، حيث أمر ابن زياد بقتل الإمام.

الثالثة: في الشام، لما عزم يزيد على قتله، وحتى أنه أمر أن يحفر قبرٌ للإمام ليدفنه فيه بعد تنفيذ حكم الإعدام عليه.

ولكن الله تعالى كفاه شرهم، ودفع عنه السوء، وحفظه من القتل، وفي ويوم جمعة من تلك الأيام حضر يزيد بن معاوية ليؤم الناس في أداء الصلاة الجمعة في الجامع الأموي بدمشق، وأمر يزيد خطيباً أن يتولى خطبة صلاة الجمعة، إذ أنه كان عارياً عن الثقافة الدينية وبمعزل عن وعظ الناس وإرشادهم، ولكنه أعطى للخطيب رؤوس الأقلام التي تدور عليها الخطبة.

أمر يزيد الخطيب أن يمدح بني أمية وعلى رأسهم معاوية ويزيد، وأن يذكر آل رسول الله (عليهم السلام) بكل سوء، ونفذ الخطيب المأجور هذه الخطة القذرة.

فنهض الإمام ليكسر أقفال الصمت، وليصرخ في وجه الخطيب صرخة يدوي صداها على مسامع الجماهير المتجمهرة في الجامع الأموي لأداء صلاة الجمعة قائلاً:(ويلك أيها الخاطب!! اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق فتبوأ مقعدك من النار) ثم يستأذن الإمام زين العابدين (عليه السلام) من يزيد ليأذن له ليرقى المنبر، وبعد محاولات كثير وإلحاح من الحاضرين إذِنَ له يزيد مكرهاً، وصعد الإمام المنبر، وبعد مقدمات وكلمات في المواعظ جلب انتباه الحاضرين وملك قلوبهم ومشاعرهم، فقال: -في ضمن خطبته-:

(أيها الناس: أعطينا ستاً، وفضلنا بسبع: أعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين وفضلنا: بأن منا النبي المختار ومنا الصديق ومنا الطيار ومنا أسد الله وأسد رسوله ومنا سبطا هذه الأمة، ومنا مهدي هذه الأمة.. إلى آخر الخطبة).

وفي كتاب (إكمال الدين): قال الإمام علي بن الحسين سيد العابدين (عليه السلام): القائم منا تخفى ولادته على الناس حتى يقولوا: لم يولد بعد، ليخرج حين يخرج وليس لأحد في عنقه بيعة.

وأيضاً في (إكمال الدين) عن أبي خالد الكابلي –وهو من أصحاب الإمام زين العابدين (عليه السلام)- :.. قال أبو خالد: فقلت: يا بن رسول الله إن ذلك لكائن؟.

فقال: أي وربي، إن ذلك لمكتوب عنا في الصحيفة التي فيها ذكر المحن التي تجري علينا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

قال أبو خالد: فقلت يا بن رسول الله ثم يكون ماذا؟.

قال (عليه السلام): ثم تمتد الغيبة بولي الله (عز وجل) الثاني عشر من أوصياء رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمة بعده.

يا أبا خالد: إن أهل زمان غيبته، القائلين بإمامته، والمنتظرين ظهوره أفضل من أهل كل زمان، لأن الله تبارك وتعالى أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالسيف، أولئك المخلصون حقاً، وشيعتنا صدقاً، والدعاة إلى الله (عز وجل) سراً وجهراً.

وفي كتاب (إكمال الدين) بإسناده عن سعيد بن جبير قال: سمعت سيد العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) يقول:

في القائم منا سنن من الأنبياء، سنة من أبينا آدم (عليه السلام) وسنة من نوح، وسنة من إبراهيم، وسنة من موسى، وسنة من عيسى، وسنة من أيوب، وسنة من محمد (صلى الله عليه وآله).

فأما من آدم ونوح: فطول العمر.

وأما من إبراهيم: فخفاء الولادة واعتزال الناس.

وأما من موسى: فالخوف والتقية.

وأما من عيسى: فاختلاف الناس فيه.

وأما من أيوب: فالفرج بعد البلوى.

وأما من محمد (صلى الله عليه وآله): فالخروج بالسيف.

ومن البديهي أن تكون الأحاديث المروية عن الإمام الباقر (عليه السلام) حول الإمام المهدي (عليه السلام) غزيرة المادة، كثيرة العدد، قد سجلتها أقلام الفقهاء الذين تلمذوا على الإمام الباقر، ولكن لا يسعنا هنا استيعاب تلك الأحاديث بأجمعها، بل نكتفي ببعضها:

في كتاب (بحار الأنوار) نقلاً عن كتاب الغيبة للنعماني بإسناده عن أبي حمزة الثمالي قال: كنت عند أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) ذات يوم، فلما تفرق من كان عنده قال لي:يا أبا حمزة من المحتوم الذي حتمه الله قيام قائمنا، فمن شك فيما أقول لقى الله وهو به كافر، ثم قال: بأبي وأمي المسمى باسمي، والمكنى بكنيتي، السابع من بعدي، بأبي من يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملأت ظلماً وجوراً، يا أبا حمزة من أدركه فيسلم له ما سلم لمحمد وعلي فقد وجبت له الجنة، ومن لم يسلم فقد حرم الله عليه الجنة، ومأواه النار، وبئس مثوى الظالمين.

وفي (إكمال الدين) للشيخ الصدوق (عليه الرحمة) بإسناده عن أم هانيء الثقفية قالت: غدوت على سيدي محمد بن علي الباقر (عليه السلام) فقلت له: يا سيدي! آية في كتاب الله عز وجل عرضت بقلبي فأقلقتني وأسهرتني. قال: فأسألي يا أم هانيء... قالت: قلت: قول الله عز وجل: (فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس) قال: نعم المسألة سألتيني يا أم هانيء هذا مولودٌ في آخر الزمان، هو المهدي من هذه العترة تكون له حيرة وغيبة يضل فيها أقوام، ويهتدي فيها أقوام، فيا طوبى لك إن أدركتيه، ويا طوبى لمن أدركه.

وأيضاً في (إكمال الدين) عن أبي الجارود عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: قال لي: يا أبا الجارود إذا دار الفلك وقال الناس: مات القائم أو هلك، بأي واد سلك وقال الطالب: أنى يكون ذلك وقد بليت عظامه فعند ذلك فأرجوه، فإذا سمعتم به فاتوه ولو حبواً على الثلج.

ولم يروعن إمامٍ من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) حول الإمام المهدي بمقدار ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) وذلك لمساعدة الظروف المواتية للإمام الصادق (عليه السلام).

ومن الواضح أننا لا نستطع أن نذكر –هنا- جميع الأحاديث المروية عن الإمام الصادق حول الإمام المهدي (عليه السلام) بسبب غزارة المادة، وارتفاع النسبة،ولكن نكتفي بما هو آت:

في كتاب (بحار الأنوار) نقلاً عن كتاب (أمالي الصدوق) بإسناده عن ابن أبي عُمير عمن سمع أبا عبد الله –الصادق- (عليه السلام) يقول:

لكل أُناس دولة يرقبونها*** ودولتنا في آخر الدهر تظهر

في كتاب (إكمال الدين) بإسناده عن صفوان بن مهران عن الإمام الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) أنه قال:من أقر بجميع الأئمة (عليهم السلام) وجحد المهدي كان كمن أقر بجميع الأنبياء وجحد محمداً (صلى الله عليه وآله) نبوته، فقيل له: يا بن رسول الله فمن المهدي؟ من ولدك؟.

قال (عليه السلام): الخامس من ولد السابع، يغيب عنكم شخصه، ولا يحل لك تسميته.

وأيضاً في (إكمال الدين) عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله –الصادق- (عليه السلام) يقول: (إن سنن الأنبياء (عليهم السلام) وما وقع عليهم من الغيبات جارية –وفي نسخة: حادثة- في القائم منا أهل البيت، حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة.

قال أبو بصير: فقلت له: يا بن رسول الله! ومن القائم منكم أهل البيت؟.

فقال: يا أبا بصير هو الخامس من ولد ابني موسى، ذلك ابن سيدة الإماء، يغيب غيبة يرتاب فيها المبطلون، ثم يظهره اله عز وجل، فيفتح على يديه مشارق الأرض ومغاربها، وينزل روح الله عيسى بن مريم (عليه السلام) فيصلي خلفه، وتشرق الأرض بنور ربها، ولا تبقى في الأرض بقعةٌ عُبدَ فيها غير الله عز وجل إلا عبد الله فيها، ويكون اليد كله لله ولو كره المشركون.

ولم تخل موسوعات الأحاديث عن كلمات الإمام الكاظم (عليه السلام) حول الإمام المهدي (عليه السلام) وفيما يلي نذكر بعضها:

في كتاب (إكمال الدين) بإسناده عن محمد بن زياد الأزدي، قال: سألت سيدي موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام) عن قول الله عز وجل: (وأسبغ عليكم نعمة ظاهرة وباطنة)؟ قال: النعمة الظاهرة: الإمام الظاهر، والباطنة: الإمام الغائب.

فقلت: ويكون في الأئمة من يغيب؟.

قال: نعم، يغيب عن أبصار الناس شخصهن ولا يغيب عن قلوب المؤمنين ذكره، وهو الثاني عشر منا، يسهل الله له كل عسير ويذلل له كل صعب، ويظهر له كنوز الأرض، ويقرب له كل بعيد ويبير –أي يهلك- به كل جبار عنيد ويهلك على يده كل شيطان مريد.

ذلك ابن سيدة الإماء الذي تخفى على الناس ولادته، ولا يحل لهم تسميته حتى يظهره الله (عز وجل فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.

وأيضاً في إكمال الدين بإسناده عن يونس بن عبد الرحمن قال: دخلت على موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام) فقلت له: يا بن رسول الله أنت القائم بالحق؟.

فقال: أنا القائم بالحق، ولكن القائم الذي يطهر الأرض من أعداء الله ويملأها عدلاً كما ملئت جوراً هو الخامس من ولدين له غيبة يطول أمدها خوفاً على نفسه، يرتد فيها أقوام ويثبت فيها آخرون.

ثم قال (عليه السلام): طوبى لشيعتنا المستمسكين بحبلنا –وفي نسخة: بحبنا- في غيبة قائمنا، الثابتين على موالاتنا والبراءة من أعدائنا، أولئك منا ونحن منهم قد رضوا بنا أئمة ورضينا بهم شيعة، وطوبى لهم هم- والله- معنا في درجتنا يوم القيامة.

وينتهز الإمام الرضا (عليه السلام) الفرص للتحدث عن الإمام المهدي (عليه السلام) فمثلاُ: عندما دخل عليه دعبل الخزاعي شاعر أهل البيت وأنشده قصيدته التائية المعروفة، ووصل إلى هذين البيتين:

خــــــروج إمام لا محالة خارج*** يقــــوم على اسم الله والبركات

يميـــــــز فيـــــنا كل حق وباطل*** ويجزي على النعماء والنقمات

بكى الإمام الرضا (عليه السلام) بكاءاً شديداً ثم رفع رأسه إلى دعبل، وقال له: يا خزاعي... نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين... فهل تدري من هذا الإمام؟ ومتى يقوم؟

فقال: لا يا مولاي.. إلا أني سمعت بخروج إمامٍ منكم يطهر الأرض من الفساد ويملأها عدلاً كما ملئت جوراً.

فقال الإمام: يا دعبل.. الإمام بعدي: محمد ابني، وبعد محمد: ابنه علي، وبعد علي: ابنه الحسن، وبعد الحسن: ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، لو لم يبق من الدنيا إلا يومٌ واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيملأ الأرض عدلاً كما ملأت جوراً.

وأضاف (عليه السلام) قائلاً:

وأما متى.. فإخبارعن الوقت، ولقد حدثني أبي عن أبيه عن آبائه عن علي (عليه السلام): أن النبي (صلى الله عليه وآله) قيل له: يا رسول الله متى يخرج القائم من ذريتك؟.

فقال: مثله مثل الساعة (القيامة) لا يجليها لوقتها إلا هو، ثقلت في السماوات والأرض، لا يأتيكم إلا بغتة.

وفي إكمال الدين عن أبي الصلت الهروي قال: قلت للرضا (عليه السلام): ما علامة القائم منكم إذا خرج؟.

فقال: علامته أن يكون شيخ السن شاب المنظر، حتى أن الناظر إليه ليحسبه ابن أربعين سنة أو دونها، وأن من علاماته أن لا يهرم بمرور الأيام والليالي حتى يأتي أجله.

وبالرغم من كثرة العقبات والمشاكل التي اعترضت طريق الإمام الجواد (عليه السلام) فإن موسوعات الأحاديث لا تخلو عن البشائر المروية عنه (عليه السلام) بالإمام المهدي (عليه السلام) وإليك بعضها:

في كتاب (بحار الأنوار) ج51 نقلاً عن (إكمال الدين) بسنده عن السيد عبد العظيم الحسني قال: دخلت على سيدي محمد بن علي الجواد(عليهما السلام) وأنا أريد أن أسأله عن القائم أهو المهدي أم غيره؟.

فابتدأني (عليه السلام) فقال: يا أبا القاسم إن القائم منا هو المهدي الذي يجب أن يُنتظر في غيبته، ويطاع في ظهوره، وهو الثالث من ولدي والذي بعث محمداً (صلى الله عليه وآله) بالنبوة، وخصنا بالإمامة إنه لو لم يبق من الدنيا إلى يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملأت جوراً وظلماً، وإن الله تبارك وتعالى يصلح له أمره في ليلة، كما أصلح أمر كليمه موسى (عليه السلام) إذ ذهب ليقتبس لأهله ناراً فرجع وهو رسول نبيٌ:

ثم قال (عليه السلام) أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج.

وفي (بحار الأنوار) أيضاً عن عبد العظيم الحسني قال: قلت لمحمد بن علي بن موسى (عليهم السلام): إني لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمد (صلى الله عليه وآله) الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملأت جوراً وظلماً.

فقال (عليه السلام): ما منا إلا وهو قائم بأمر الله، وهاد إلى دين الله، ولكن القائم الذين يطهر الله (عز وجل) به الأرض من أهل الكفر والجحود، ويملأها عدلاً وقسطاً: هو الذي تخفي عن الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، وهو سمي رسول الله وكنيته، وهو الذي تطوى له الأرض، ويذل له كل صعب... إلى آخر الحديث.

ويروى عن الإمام الهادي جملة من الأحاديث المبشرة بالإمام المهدي، منها:

روى الشيخ الصدوق رضوان الله عليه في كتاب (إكمال الدين) بإسناده عن أبي دلف قال: سمعت علي بن محمد الهادي(عليه السلام) يقول: إن الإمام بعدي: الحسن ابني، وبعد الحسن ابنه القائم الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.

ومن الطبيعي أن أكبر عدد من البشائر يتحقق على يدي الإمام أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام)، وينطلق على لسانه، فقد اقترب موعد ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) وينبغي أن يكون الإعلام بولادته على أوسع نطاق، ولكن.. هل يمكن ذلك؟!

وكيف يمكن؟ وهناك الموانع والحواجز والعقبات التي تحول دون ذلك، فالاعتقاد بظهور الإمام المهدي كان سائداً في الأمة الإسلامية في تلك العصور، ومشهوراً عند المسلمين مع اختلاف بعض الطوائف الإسلامية في شخصية ذلك الإنسان المسمى بالمهدي الذي بشر به رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) حتى أن الذين ادعوا المهدوية كذباً وزوراً إنما كانوا يعتمدون على الأحاديث الواردة حول الإمام المهدي، وكانوا يطبقون تلك الأحاديث على أنفسهم افتراءا وخداعاً.

إذن... فالاعتقاد والقول بظهور الإمام المهدي كان من الأمور القطعية عند المسلمين في ذلك الزمان، وخاصة بعد التركيز على أنه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وأنه يقضي على الطواغيت والجبابرة الظالمين، ومن الواضح أن الحكام العباسيين كانوا في طليعة المعادين والمناوئين لهذه الشخصية المبشر بها، لأنهم يظنون أن حكوماتهم سوف تنهار على يديه ودماؤهم تسفك بسيفه.

بعد الانتباه إلى هذه الظروف والملابسات... هل يستطيع الإمام العسكري (عليه السلام) أن يعلن عن ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) بصورة واسعة؟.

أليس معنى ذلك أن الإمام العسكري يسبب قتل ولده الإمام المهدي جرياً على العادة؟ فما الذي يمنع الأعداء من أن يهجموا عليه الدار ويقتلوا أهل الدار كلهم؟ وما المانع من ذلك؟.

ثم... هل يسكت الإمام العسكري (عليه السلام) ويخفي ولادة ولده المهدي عن كل أحد؛ فلا يدع أحداً يعرف ذلك أبداً؟ فيكف يعلم الشيعة بولادة إمامهم، وخاصة وأن الإمام العسكري كان يرى أن حياته شخصياً في معرض الخطر، ويعلم –بعلم الإمامة- أنه سوف يقتل مسوماً وهو ابن ثمان وعشرين سنة؟ والأوامر الإلهية تفرض عليه أن يعرف الإمام الذي بعده وينص عليه، حفظاً للأمة الإسلامية من الضياع والضلال، فقد ورد في الحديث الصحيح –المتفق عليه بين المسلمين- عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهلية).

مشكلةٌ وأية مشكلة، لا يحلها إلا عقل الإمام، ذلك العقل الذي تتجلى فيه الحكمة بأجمل الصور، وتظهر فيه الحنكة بأبهى منظر، وتبرز حقيقة علم الإمام ومدى تدبيره للإمام وكيفية تصرفاته في تحقيق الأهداف مع رعاية جميع الجوانب والأطراف.

الحل الذي اختاره الإمام العسكري (عليه السلام) في هذا المجال:

هو الحد الوسط، فلا إعلام عام، ولا كتمان وإخفاء مطلق، ففي كتاب (بحار الأنوار) نقلاً عن كتاب (الخرائج) بسنده عن عيسى بن صبيح قال: دخل الحسن العسكري (عليه السلام) الحبس، وكنت به عارفاً، فقال لي: لك خمس وستون سنة وشهر ويومان. وكان معي كتابُ دعاء عليه تاريخ مولدي، وإني نظرت فيه فكان كما قال.

وقال (عليه السلام): هل رزقت ولداً؟.

فقلت: لا... فقال: اللهم ارزقه ولداً يكون له عضداً، فنعم العضد الولد. ثم تمثل (عليه السلام):

من كان ذا ولدٍ يدرك ظلامته*** إن الذليل الذي ليست له عضد

قلت: ألك ولد؟ قال (عليه السلام): أي والله سيكون لي ولد يملأ الأرض قسطاًـ فأما الآن فلا –أي فليس لي ولد- ثم تمثل:

لعـــلــــك يــوماً أن تراني كأنما*** بني حــــوالي الأســــود اللوابد

فـــــإن تميـــاً قبل أن يلد الحصا***أقام زماناً وهو في الناس واحد

عن كتاب (إكمال الدين): بسنده عن أحمد بن إسحاق قال:

سمعت أبا محمد الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) يقول: الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى أراني الخلف من بعدي، أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله) خلقاً وخُلقاً، يحفظه الله تبارك وتعالى في غيبته، ثم يظهره فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملأت جوراً وظلماً.

 

توقيت الظهور

إن توقيت ظهوره توقيت أكثر من دقيق وأكثر من حكيم، ومن نوع ربما لم يتفق في عمر البشرية كلها بهذا الشكل الحاسم، ولهذا يكون توقيت ظهوره وحده نصف خطته، ولهذا التوقيت أهمية فرضت انتظارها مئات السنين.

ذلك أن الناس في تأرجحهم بين الأديان والمذاهب بحثاً عن الأفضل ﻻ يعتمدون على الآخرين بمقدار ما يعتمدون على أنفسهم، ولا يعتمدون حتى على الغيب بمقدار ما يعتمدون على أنفسهم - وخاصة من أقنعتهم الديالكتيك بسقوط كل المعادلات، وأوصلتهم القيادات المصلحية والانتهازية إلى حافة اليأس من إخلاص الغير، وإلى التشكيك حتى في الشعارات المخلصة - فإذا قيل لأي فرد: إن الإسلام هو المسلك الوحيد إلى السعادة الفاضلة في الدنيا والآخرة، قد يعترف به لياقة للمجتمع الذي يتظاهر مثله بالإسلام، أو مجاملةً للقائل: أو تقليداً ورثه مع ما ورثه من آبائه من التقاليد وبنى عليها تشريفاته الاجتماعية.

ولكنه ﻻ يؤمن به، إيمانه بالضوء الأحمر الذي يوقف سيارته على مفترق الطريق، أو إيمانه بختم موظف الجمرك الذي يسمح له بتجاوز الحدود، أو إيمانه بالأوراق النقدية التي يتعامل بها على ما يختار من بضائع وخدمات. فهو يؤمن بالإسلام بمقدار ما دخل في القانون والسياسة والاجتماعيات والكماليات، ولا يؤمن به كقانون يفرض نفسه بقوة البوليس، ولا يؤمن به كسياسة تضمن له مستقبلاً لامعاً.

كنتيجة طبيعية لهذه الازدواجية الناتجة من الاسترخاء الإيماني، تزعجه الحدود الإسلامية التي تمنعه من الاقتحام في بعض المغريات، ولا يجد إيجابيات الإسلام، فلا يشعر بالطمأنينة التي تركّز نزاوته وهواجسه على مطامح مشروعة، ولا يلمس السعادة التي يشيعها الإيمان حول المؤمن، ولا يتضح أمامه الخط الأفضل الذي يهدي إليه الإسلام، لأن البناء الناقص أطلال ومواد تثقل ولا تنتج.

ولهذا فالمسلم الناقص الإسلام - وأكثر المسلمين اليوم ناقصو الإسلام - يقبل الإسلام على تذمر، وهذا التذمر يأخذ أبعاده من خلال تساؤلات مصدرها معاناة، ومن خلال شبهات قواعدها محاولات للبحث عن أعذار تصونه عن لوم المجتمع إذا تحلل من مظهر الإسلام، ومن خلال انتقادات يوجهها إلى أبيه وأمه وسائر المؤمنين الملتزمين الذين يصمهم بالقشريين والمتزمتين والمتطرفين. وقد يعلن هذا التذمر، إذا التقفته كتلة تشجعه أو بديل يعتمد عليه.

ولكنه على العموم، يجب أن يحافظ على الإسلام، كمظهر من المظاهر الاجتماعية، طالما ﻻ يكلفه عناءً، فإذا اصطدم بشيء من مصالحه، أو رفع إلى أزمة عاصفة، بادر إلى التحلل منه بلا تردد، وكأنه ﻻ عهد له به.

ويبدو أن هذه الظاهرة كانت تمسح المجتمع في عهد الحسين (عليه السلام)، يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا محّصوا بالبلاء، قلّ الديّانون).

وبما أن البدائل التي طرحت مقابل الإسلام كثيرة من داخل الأمة الإسلامية وخارجها، ابتداءً من عهد الفتوحات الإسلامية التي اعتمدت السيف - ﻻ الإيمان - مدخلاً إلى الإسلام، حيث تقمصت الفلسفة اليونانية أزيائها المناسبة للتغلغل والدس في الأمة، ومروراً بعهودنا التي تسترت فيها الديالكتيك ببراقعها المتنوعة لأداء ذات الدور، وانتهاءً بعهد - ما قبل الظهور - الذي تأخذ فيه المؤسسات البشرية أقنعتها وواجهاتها المشكلة للقيام بمهمة تمزيق الأمة من داخلها، وبالفعل أدت إلى انشقاق الأمة طوائف وفرقاً تنبأ الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بأمهاتها يوم قال: (... وستفترق أمتي بعدي ثلاثاً وسبعين فرقة...)... وأما البدائل التي من خارج الأمة في صيغ أديان وفلسفات سابقاً. وفي صيغ أحزاب ومبادئ حالياً، فإحصاؤها يحتاج إلى قاموس يسع مجلدات.

البشر في كل الاتجاهات:

- وبما أن البشر يعتمد على تجربته الشخصية أكثر مما يعتمد على تجربة غيره، وحتى أكثر مما يعتمد على الغيب - إذا كان مؤمناً به -.

- وبما أن لكل جديد وهجاً يغري، وكيل الوعود جزافاً سهل، والغريق يبحث عن أي يد تمد إليه.

- وبما أن البشر - ﻻ زال - يعتقد بأنه قادر على استيعاب الحياة، وعلى وضع أفضل الخطط التي تسعده عبر الحياة وتستنفد أهدافه فيها، وعلى قيادة نفسه بنفسه في معزل عن السماء.

بذلك كله، اندفع في كل اتجاه من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال، يلبي كل نداء، ويتحرك مع أية ريح كما أتقن وصفه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (... وهمج رعاع. أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، ﻻ يلجئون إلى ركن وثيق، ولا يستضيئون بنور العلم..). فكانت حصيلته تناقضات عشوائية، الناجح فيها هو الأقوى في النطاح، والفاشل فيها من له أدنى تروٍّ وأناة، وضياع في خطوط متحركة ودوامات تدوخ وتبتلع، وتضحيات هائلة في الأرواح والأعصاب والأفكار، يتبعها تخلف وقنوط.

وهذه الرحلة: رحلة التجربة التي بدأتها الأمة - بعد فترة وجيزة من تكوّنها - عبر الأديان والفلسفات والأحزاب والمبادئ، بحثاً عن الأفضل، بعد انحرافها عن دينها الحق، على إثر عوامل كثيرة أهمها:

- اتجاهها إلى قيادة مفروضة عليها، ومحسوبة عليها، واضطهادها قادتها السماويين.

- وعدم استيعابها دينها الحق، نتيجة لانجراف عديد من الرواة والمحدثين الذين ائتمنوا على سنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في تيار تلك القيادة المفروضة المحسوسة على الأمة.

على أثر ذلك أصيبت الأمة، وأصيب البشرية. أصيبت الأمة بإصابتين:

- أصيبت الأمة في ذاتها كخير أمة أخرجت للناس، يفترض فيها أن تكون أكثر الأمم مناعة وسعادة، فكانت أكثر الأمم تمزقاً وشقاءً، كما تنبأ الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) حين قال: (تتداعى عليكم الأمم كتداعي الأكلة على قصعتها...)، (... تأتيكم الفتن كقطع الليل المظلم... تدع الحليم حيران...) (... قالوا: أوَ عن قلة فينا يا رسول الله؟ قال: كلا، ولكن غثاء كغثاء السيل).

- وأصيبت الأمة في مركزها، كأمة مرشحة لقيادة البشرية جمعاء، فلم تكن أمة قائدة لبقية الأمم، ولم تكن أمة قائدة لأمة أخرى تقودها إلى الخير أو إلى ما يمكن أن يسمى خيراً، وإنما كبقرة حلوب تحلب ولا تسمن، أو كما في بعض الحديث: (.. غرضاً يرمى...).

وأصيبت البشرية بإصابة واحدة:

أصيبت البشرية في قيادتها الروحية، فخسرت القيادة التي تبشرها بحضارة الروح، وتضمها إلى حضارة المادة، ووجد في ظل تفاعل هاتين الحضارتين مجتمعاً إنسانياً غنياً بمعطيات تلبي كل نداءات الإنسان، وتدفع عجلة التطور إلى الأمام بمحركين. فبقيت البشرية - بما فيها الأمة الإسلامية - تعاني صراعاً داخلياً حاداً بين العقل والضمير الأخلاقي من جهة، وبين الغرائز من جهة. والعقل معصوم ﻻ يتلوث بالشذوذ، فهو رسول من رسولي الله إلى الإنسان كما في الحديث: (إن لله على الناس حجتين: رسول باطن هو العقل، وعقل ظاهر هو الرسول). والضمير الأخلاقي حرّ شجاع ﻻ يصمت ولا يتلعثم، فهو محكمة الله في داخل الإنسان، المعبّر عنه في منطق القرآن (بالنفس اللوّامة) [سورة القيامة: الآية 2]. (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره) [سورة القيامة: الآية 15]. إلا أن العقل والضمير ﻻ يكفيان لقيادة الإنسان فالعقل، وإن كان قوي الحجة، واضح الصوت، إلا أنه يشبه رجل الدين الحصيف الجليل، الذي يعترف به الجميع. ولا ينفذون كلمته. لأنه غير مسلح بالإرهاب والإغراء.

والضمير الأخلاقي، وإن كانت محكمته مستمرة طول العمر، وصوته جهوري يعكره سعادة من يخالفه نهاراً ويؤرقه ليلاً، إلا أنها تشبه المحاكم العائلية، التي تصدر أحكاماً خلقية للتنبيه، أو تصدر أحكاماً قضائية مع وقف التنفيذ. والإنسان ﻻ يخضع إلا للقوة المنفّذة.

بينما الغرائز تشبه عصابة مغامرة من الشباب الأقوياء، التي ﻻ تتورع عن شيء في سبيل مآربها، فيجتاح منطق العقل والضمير الأخلاقي، بغرورها العنيف. وربما تسخر العقل من أجل التخطيط لمآربها بالعنف، كما قد تسخر العصابات الشريرة، الخبرات الخيرة لجرائمها تحت التهديد بالقوة.

إذن فالعقل والضمير الأخلاقي ﻻ يكفيان لتوجيه الإنسان وقيادة غرائزه، ولذلك كان العقل والضمير الأخلاقي يستغيثان السماء دائماً، لإمدادهما بالرسل.

 

في سنة خروجه ويومه وشهره

من الأمور التي ورد التأكيد عليه في كثير من الأخبار ومنها الأخبار التي ذكرناها من العلائم عدم تعيين وقت ظهوره وإحالته إليه تعالى ويستفاد من بعض الأخبار أن من وقّت له (عليه السلام) وقتاً فقد شارك الله تعالى في علمه وادعى أنه ظهر على سره وما لله من سر.

وفي بعض الأخبار (وأما ظهور الفرج فإنه إلى الله وكذب الوقاتون وهلك المستعجلون ونجى المسلمون وإلينا يصيرون).

وفي بعضها (كذب الموقتون ما وقتنا فيما مضى ولا نوقت فيما يستقبل) وغير ذلك من الأخبار، فيكون أمره كالساعة التي قال تعالى: ( ويسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض).

ولا بد من ترك التوقيت وانتظار ظهوره في كل زمان بل في كل عام بل في كل شهر بل في كل جمعة بل في كل يوم، وترك التوقيت واحتمال الظهور في كل وقت لا يخلو من الحكمة.

فإنه يوجب الانتظار دائماً وانتظار الفرج فرج بل من أعظم الفرج كما في حديث أبي خالد الكابلي عن علي بن الحسين (عليه السلام).

نعم ورد في بعض الأخبار أنه (عليه السلام) يظهر في يوم عاشوراء يوم السبت.

عن علي بن مهران قال : قال أبو جعفر(عليه السلام) :كأني بالقائم يوم عاشوراء يوم السبت قائماً بين الركن والمقام بين يديه جبرئيل (عليه السلام) ينادي (البيعة لله) فيملأها عدلاً كما ملأت ظلماً وجوراً.

وفي بعض الأخبار يخرج في وتر من السنين .

وعن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا يخرج القائم إلا في وتر من السنين سنة إحدى أو ثلاث أو خمس أو سبع أو تسع . وعن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله: أن القائم (عليه السلام) ينادي اسمه ليلة ثلاث وعشرين ويقوم يوم عاشوراء يوم قتل فيه الحسين بن علي (عليه السلام).

وفي بعضها يظهر (عليه السلام) في يوم النيروز ويظفره الله تعالى بالدجال.

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يوم النيروز هو اليوم الذي يظهر فيه قائمنا أهل البيت وولاة الأمر ويظفره الله تعالى بالدجال فيصلبه على كناسة الكوفة، وما من يوم نيروز إلا ونحن نتوقع فيه الفرج لأنه من أيامنا، حفظته الفرس وضيعتموه.

 

في كيفية عيشه ومأكله وملبسه

عن أبي عبد الله الحسين بن علي (عليهما السلام) أنه قال: إذا خرج القائم (عليه السلام) لم يكن بينه وبين العرب وقريش إلا السيف وما يستعجلون بخروج المهدي (عليه السلام) والله ما لباسه إلا الغليظ ولا طعامه إلا الشعير وما هو إلا السيف والموت تحت ظل السيف.

وعن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله.

وعن معمر بن خلاد قال: ذكر القائم عند الرضا (عليه السلام) فقال: أنتم (اليوم) أرضى بالاً منكم يومئذٍ. قال: وكيف؟ قال: لو قد خرج قائمنا (عليه السلام) لم يكن إلا العلق والعرق (و) القوم على السروج وما لباس القائم (عليه السلام) إلا الغليظ وما طعامه إلا الجشب.

وهذا ما يلزمه نفسه من خشونة الملبس وجشوبة المطعم وإتعاب النفس والبدن في طاعة الله تبارك وتعالى والجهاد في سبيله ومحو الظلم والجور والطغيان.

 

محل ظهوره وبيعته وصفة ظهوره

وأما محل ظهوره (عليه السلام) ومبايعته فهو البلد الأمين مكة المكرمة، فيصلي عند المقام أربع ركعات ويسند ظهره إلى الحجر الأسود فيحمد الله ويثني عليه ويذكر النبي ويصلي علي فيبايعه من يبايعه.

وبالإسناد عن الفضل عن ابن محبوب رفعه إلى أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا خسف بجيش السفياني... إلى أن قال والقائم يومئذ بمكة عند الكعبة مستجيراً بها يقول: أنا ولي الله أنا أولى بالله وبمحمد (صلى الله عليه وآله) فمن حاجني في آدم فأنا أولى الناس بآدم، ومن حاجني في نوح فأنا أولى الناس بنوح، ومن حاجني في إبراهيم فأنا أولى الناس بإبراهيم، ومن حاجني في محمد فأنا أولى الناس بمحمد، ومن حاجني في النبيين فأنا أولى الناس بالنبيين، إن الله تعالى يقول: (إن الله اصطفى آدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم).

فأنا بقية آدم وخيرة نوح ومصطفى إبراهيم وصفوة محمد، ألا ومن حاجني في كتاب الله فأنا أولى الناس بكتاب الله، ألا ومن حاجني في سنة رسول الله فأنا أولى الناس بسنة رسول الله وسيرته وأنشد الله من سمع كلامي لما يبلغ الشاهد الغائب.

فيجمع الله له أصحابه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً فيجمعهم الله على غير ميعاد قزع كقزع الخريف... ثم تلا هذه الآية (أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً أن الله على كل شيء قدير). فيبايعونه بين الركن والمقام ومعه عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد تواترت عليه الآباء، فإن أشكل عليهم من ذلك شيء فإن الصوت من السماء لا يشكل عليهم إّذا نودي باسمه واسم أبيه.

وعن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل إلى أن قال: يقول القائم لأصحابه: يا قوم أن أهل مكة لا يريدونني ولكني مرسل إليهم لأحتج عليهم بما ينبغي لمثلي أن يحتج عليهم،فيدعو رجلا من أصحابه فيقول له:إمض إلى أهل مكة فقل: يا أهل مكة أنا رسول فلان إليكم وهو يقول لكم أنا أهل بيت الرحمة ومعدن الرسالة والخلافة، ونحن ذرية محمد وسلاسة النبيين، وإنا قد ظُلمنا واضطهدنا وقهرنا وابتز منا حقنا منذ قبض نبينا إلى يومنا هذا فنحن نستنصركم فانصرونا.

فإذا تكلم هذا الفتى بهذا الكلام أتوا إليه فذبحوه بين الركن والمقام وهي النفس الزكية، فإذا بلغ ذلك الإمام قال لأصحابه:

ألا أخبرتكم أن أهل مكة لا يريدوننا؟ فلا يدعونه حتى يخرج فيهبط من عقبة طوى في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً عدة أهل بدر حتى يأتي المسجد الحرام فيصلي فيه عند مقام إبراهيم أربع ركعات وينسد ظهره إلى الحجر الأسود ثم يحمد الله ويثني عليه ويذكر النبي (صلى الله عليه وآله) ويصلي عليه ويتكلم بكلام لم يتكلم به أحد من الناس فيكون أول من يضرب على يده ويبايعه جبرئيل وميكائيل... .

وفي خبر آخر: يخرج إلى المدينة فيقيم بها ما شاء، ثم يخرج إلى الكوفة ويستعمل عليها رجلاً من أصحابه، فإذا نزل الشفرة جاءهم كتاب السفياني (إن لم تقتلوه لأقتلن مقاتليكم ولأسبين ذراريكم) فيقبلون على عامله فيقتلونه فيأتيه الخبر فيرجع إليهم فيقتلهم ويقتل قريشاً حتى لا يبقى منهم إلى أكلة كبش ثم يخرج إلى الكوفة ويستعمل رجلاً من أًصحابه فيقبل وينزل النجف .

(إسعاف الراغبين ص135 في حاشية نور الأبصار) قال: وضح أنه (صلى الله عليه وآله) قال: يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من المدينة هارباُ إلى مكة فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه بعث من الشام فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة... الحديث.

ينابيع المودة ص431 عن جواهر العقدين عن أبي داود والإمام والحافظ البيهقي مثله.

ينابيع المودة ص448 عن فرائد السمطين عن الحسن بن خالد عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا في حديث ذكر فيه المهدي وغيبته وأنه الرابع من ولده إلى أن قال: وهو الذي ينادي مناد من السماء يسمعه جميع أهل الأرض ألا إن حجة الله قد ظهر عند بيت الله فاتبعوه فإن الحق فيه ومعه... الحديث.

وعن أبي داود في سننه ص107 والترمذي في جامعه وأحمد في مسنده وابن ماجة في سننه والحافظ أبي عبد الرحمن النسائي في سننه والبيهقي في البعث والنشور وغيرهم عن أم سلمة زوجة النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هارباً إلى مكة، فيأتيه أناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام الحديث.

وعن أبي عبد الله نعيم بن حماد في كتاب الفتن عن عبد الله بن مسعود في خبر طويل يذكر فيه خروج السفياني وخروج المهدي من المدينة إلى مكة وطلب مبايعته وآبائه (عليهم السلام)... إلى أن قال: فيجلس بين الركن والمقام فيمد يده فيبايع له، ويلقي الله محبته في صدور الناس فيسير مع قوم أسد بالنهار ورهبان بالليل.

وقد ورد بطرق متعددة عن عبد الله بن عمر وقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخرج المهدي (عليه السلام) من قرية يقال لها كرعة (وهي قرية من اليمن).

وفي النجم الثاقب (حكاية رقم 62) عن العالم الجليل أفضل عصره الشيخ أبي الحسن شريف العاملي في كتاب ضياء العالمين نقلاً عن جماعة عن محمد بن أحمد أن شيخاً تاجراً حكى لنا وصوله إلى هذه القرية وتشرفه بزيارة الحجة (عليه السلام) وقال: لا منافاة بين هذا الخبر والأحاديث الواردة في أنه يظهر بمكة لأنه (عليه السلام) يخرج من المحل الذي هو فيه فيأتي مكة ويظهر أمره فيها.

 

المهدي وكيفية البيعة

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا قام قائم آل محمد استخرج من ظهر الكعبة سبعة وعشرين رجلاً خمسة وعشرين من قوم موسى الذين يقضون بالحق وبه يعدلون (إشارة إلى قوله في سورة الأعراف آية (158) ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون)، وسبعة من أصحاب الكهف، ويوشع وصي موسى، ومؤمن آل فرعون، وسلمان الفارسي، وأبا دجانة الأنصاري، ومالك الأشتر.

وفي حديث آخر عن أبي جعفر (عليه السلام): لو قد خرج قائم آل محمد (صلى الله عليه وآله) لنصره الله بالملائكة المسومين والمردفين والمنزلين والكروبيين يكون جبرائيل أمامه وميكائيل عن يمينه واسرافيل عن يساره الحديث.

وفي عقد الدرر في حديث طويل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه (عليه السلام) يأخذ البيعة عن أصحابه على ثلاثين خصلة يلتزمون بها ولا يغيرون منها شيئاً، فيخرجون معه إلى الصفا فيقول: أنا معكم على أن لا تولوا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا محرماً ولا تأتوا فاحشة ولا تضربوا أحداً إلا بحقه.. إلى أن قال (عليه السلام): فإذا فعلتم ذلك فعلي أن لا اتخذ حاجباً ولا ألبس إلا كما تلبسون ولا أركب إلا كما تركبون الحديث.

وعن إسعاف الراغبين قال: وجاء في روايات أن الله تعالى يمد المهدي بثلاثة آلاف من الملائكة وأن أهل الكهف من أعوانه. وذكر الإمام أبو إسحاق الثعلبي في تفسير القرآن العزيز في قصة أصحاب الكهف قال: وأخذوا مضاجعهم وصاروا إلى رقدتهم إلى آخر الزمان عند خروج المهدي (عليه السلام) يقال أن المهدي يسلم عليهم فيحييهم الله عز وجل ثم يرجعون إلى رقدتهم فلا يقومون إلى يوم القيامة.

وعن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أن القائم ينتظر من يومه ذي طوى في عدة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً حتى يسند ظهره إلى الحجر ويهز الراية المغلبة (المعلقة) الحديث.

وعن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل إلى أن قال: يقول القائم (عليه السلام) لأصحابه: يا قوم أن أهل مكة لا يريدونني ولكني مرسل إليهم لأحتج عليهم بما ينبغي لمثلي أن يحتج عليهم.

فيدعو رجلاً من أصحابه فيقول له: أمض إلى أهل مكة فقل: يا أهل مكة أنا رسول فلان إليكم وهو يقول لكم: إنا أهل بيت الرحمة ومعدن الرسالة والخلافة، ونحن ذرية محمد وسلالة النبيين وإنا قد ظلمنا واضطهدنا وقُهرنا وابتز منا حقنا منذ قبض نبينا إلى يومنا هذا فنحن نستنصركم فانصرونا.

فإذا تكلم هذا الفتى بهذا الكلام أتوا إليه فذبحوه بين الركن والمقام وهي النفس الزكية فإذا بلغ ذلك الإمام قال لأصحابه:

ألا أخبرتكم أن أهل مكة لا يريدوننا. فلا يدعونه حتى يخرج فيهبط من عقبة طوى في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً عدة أهل بدر حتى يأتي المسجد الحرام فيصلي فيه عند مقام إبراهيم أربع ركعات ويسند ظهره إلى الحجر الأسود ثم يحمد الله ويثني عليه ويذكر النبي (صلى الله عليه وآله) ويصلي عليه ويتكلم بكلام لم يتلكم به أحد من الناس.

فيكون أول من يضرب على يده ويبايعه جبرائيل وميكائيل ويقوم معهما رسول الله وأمير المؤمنين فيدفعان إليه كتاباً جديداً هو على العرب شديد بخاتم رطب فيقولون له: اعمل بما فيه ويبايعه الثلاثمائة وقليل من أهل مكة.

ثم يخرج من مكة حتى يكون في مثل الحلقة قلت: وما الحلقة؟ قال: عشرة آلاف رجل جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن شماله ثم يهز الراية الجلية وينشرها وهي راية رسول الله (صلى الله عليه وآله) السحّابة، ودرع رسول الله (صلى الله عليه وآله) السابغة، ويتقلد بسيف رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذي الفقار.

وفي خبر آخر: ما من بلدة إلا يخرج معه منهم طائفة إلا أهل البصرة فإنه لا يخرج معه منها أحد.

 

المهدي (عليه السلام) يومئذ ينصر الله

محمد بن إبراهيم النعماني بأسانيده عن علي بن أبي حمزة قال: قال أبو عبد الله: إذا قام القائم (عليه السلام) نزلت ملائكة بدر وهم خمسة آلاف الحديث.

محمد بن علي ماجيلويه (رضي الله عنه) عن علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن الريان بن شبيب عن الرضا (عليه السلام) (في حديث طويل) قال: يا ابن شبيب إن كنت باكياً لشيء فابك للحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) فإنه ذبح كما يذبح الكبش وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً ما لهم في الأرض شبيهون ولقد بكت السماوات السبع والأرضون لقتله، ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف لنصره فلم يؤذن لهم، فهم عند قبره شعث غبر إلى أن يقوم القائم فيكونون من أنصاره وشعارهم يالثارات الحسين (عليه السلام) الحديث.

روي عن أهل البيت (عليهم السلام) أن الله تعالى أهبط إلى الحسين أربعة آلاف ملك هم الذين هبطوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم بدر وخير بين النصر على أعدائه ولقاء جده فاختار لقاه، فأمر الله تعالى الملائكة بالمقام عند قبره فهم شعث غبر ينتظرون قيام القائم (عليه السلام) من ولده صاحب الزمان (عليه السلام).

وفي حديث أبان بن تغلب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كأني بالقائم على نجف الكوفة وقد لبس درع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ... إلى أن قال: فيحط عليه ثلاثة عشر ألف ملك وثلاثمائة وثلاثة عشر ملكاً... قلت: كل هؤلاء الملائكة؟

قال: نعم، الذي كانوا مع نوح في السفينة والذين كانوا مع إبراهيم حين ألقى في النار والذين كانوا مع موسى حين فلق البحر لبني إسرائيل والذين كانوا مع عيسى حين رفعه الله إليه وأربعة آلاف ملك مع النبي (صلى الله عليه وآله) مسومين وألف مردفين وثلاثمائة وثلاث عشر ملائكة بدريين وأربعة آلاف ملك هبطوا يريدون القتال مع الحسين (عليه السلام) فلم يؤذن لهم في القتال فهم عند قبره شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة ورئيسهم ملك يقال له منصور، فلا يزوره زائر إلا استقبلوه ولا يودعه مودع إلا شيعوه ولا يمرض مريض إلا عادوه ولا يموت ميت إلا صلوا على جنازته واسغفروا له بعد موته، وكل هؤلاء في الأرض ينتظرون قيام القائم (عليه السلام) إلى وقت خروجه (عليه السلام).

عن أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: كأني بالقائم على نجف الكوفة وقد سار إليها من مكة في خمسة آلاف من الملائكة، جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن شماله والمؤمنون بين يديه وهو يفرق الجنود في البلاد .

عن الشيخ المفيد بأسانيده عن أبي خالد الكابلي قال: قال لي علي بن الحسين (عليه السلام): يا أبا خالد لتأتين فتن كقطع الليل المظلم لا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه، أولئك مصابيح الهدى وينابيع العلم ينجيهم الله من كل فتنة مظلمة، كأني بصاحبكم قد علا فوق نجفكم بظهر كوفان في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله وإسرافيل إمامه، معه راية رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد نشرها، لا يهوي بها إلى قوم إلا أهلكهم الله عز وجل.

وأخرج نعيم بن حماد عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: المهدي مولده بالمدينة من أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) واسمه اسم نبي ومُهَاجَرُه بيت المقدس، كث اللحية، أكحل العينين، براق الثنايا، في وجهه خال، في كتفه علامة النبي، يخرج براية النبي (صلى الله عليه وآله)، من مرط معلمة سوادء مربعة فيها حجر لم تنشر منذ توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا تنشر حتى يخرج المهدي يمده الله بثلاثة آلاف من الملائكة يضربون وجوه من خالفهم وأدبارهم يبعث وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين.

وعن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) قال: هو أمرنا أمر الله عز وجل أن لا تستعجل به حتى يؤيده (الله) بثلاثة (أجناد) الملائكة والمؤمنين والرعب وخروجه (عليه السلام) كخروج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذلك قوله تعالى: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق).

 

نزول عيسى بن مريم والصلاة خلفه

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم.

عقد الدرر في الباب العاشر ص229 عن صحيح مسلم مثله وعقد الدرر في الباب الأول ص 25 عن أبي نعيم في مناقب المهدي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): منا الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه.

والأخبار في ذلك مستفيضة وهو القول الصحيح الذي ذهب إليه المشهور وقال به الجمهور، وما في بعض الأخبار أو في بعض الكتب من أن المهدي يأتم بعيسى فهو شاذ.

قال أبو الحسن الأبري: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى (صلى الله عليه وآله) بخروجه، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلاً، وأنه يخرج مع عيسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام فيساعده على قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه.

عن أبي إمامة قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله): وذكر الدجال إلى أن قال: وإمامهم المهدي رجل صالح فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى بن مريم فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليتقدم عيسى فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له: تقدم فصل فإنها لك أقيمت فيصلي بهم إمامهم.

في حالات أصحابه وقوتهم وشدتهم