قبسات من حياة الإمام السجاد من الولادة إلى الشهادة من فكر الإمام السجاد الإمام علي بن الحسين رجلا أخذت ألقابه من عبادته، فصار لا يُعرف إلا بها، فمن زين العابدين، إلى سيد الساجدين، وسيد العابدين، والسجاد، وذي الثفنات؛ ولو أردنا أن نسجل جميع ما ذكره المؤرخون وأهل السير من عبادته (عليه السلام) لاحتجنا إلى كتاب مستقل، فنكتفي بذكر القليل من ذلك: 1ـ قال الإمام الباقر (عليه السلام): كان علي بن الحسين يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وكانت الريح تميله بمنزلة السنبلة، وكانت له خمسمائة نخلة وكان يصلي عند كل نخلة ركعتين، وكان إذا قام في صلاته غشي لونه لون آخر، وكان قيامه في صلاته قيام العبد الذليل بين يدي الملك الجليل، كانت أعضاؤه ترتعد من خشية الله، وكان يصلي صلاة مودع يرى أنّه لا يصلي بعدها أبداً (المناقب 2/251، الخصال: 517). 2ـ اصفر لونه من السهر، ورمضت عيناه من البكاء، ودبرت جبهته وانخرم أنفه من السجود، وورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة، وكان إذا حضرت الصلاة اقشعر جلده، واصفر لونه وارتعد كالسعفة. (أعيان الشيعة 4ق1/415). 3ـ قال الإمام الباقر (عليه السلام): إنّ فاطمة بنت علي بن أبي طالب (عليه السلام) لما نظرت إلى ما يفعله ابن أخيها علي بن الحسين بنفسه من الدأب في العبادة، أتت جابر بن عبد الله الأنصاري فقالت له: يا صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إن لنا عليكم حقوقاً، ومن حقنا عليكم: إذ رأيتم أحدنا يهلك نفسه اجتهاداً أن تذكروه الله، وتدعوه إلى البقيا على نفسه، وهذا علي بن الحسين بقية أبيه الحسين، قد انخرم أنفه وثفنت جبهته وركبتاه وراحتاه، إدآباً منه لنفسه في العبادة. قال: فأتى جابر فوجده في محرابه قد أنضته العبادة، فنهض علي فسأله عن حاله سؤالاً خفياً، ثم أجلسه بجنبه، فأقبل جابر عليه يقول: يا بن رسول الله أما علمت أنّ الله تعالى إنّما خلق الجنة لكم، ولمن أحبكم، وخلق النار لمن أبغضكم وعاداكم، فما هذا الجهد الذي كلفته نفسك؟ قال له علي بن الحسين (عليهما السلام): يا صاحب رسول الله أما علمت أنّ جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فلم يدع الاجتهاد له، وتعبد بأبي هو وأمي حتى انتفخ الساق، وورم القدم وقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً. فلما نظر جابر إلى علي بن الحسين، وليس يغني فيه قول من يستميله من الجهد والتعب إلى القصد، قال له: يا بن رسول الله البقيا على نفسك، فإنك من أسرة بهم يستدفع البلاء، ويستكشف اللواء، وبهم يستمطر السماء. فقال له: يا جابر لا أزال على منهاج أبوي متأسياً بهما (صلوات الله عليهما) حتى ألقاهما. فاقبل جابر على من حضر فقال لهم: والله ما روي في أولاد الأنبياء بمثل علي بن الحسين إلا يوسف بن يعقوب (عليهما السلام)، والله لذرية علي بن الحسين أفضل من ذرية يوسف بن يعقوب، وإنّ منهم لمن يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً. (بحار الأنوار 11/19). 4ـ قال الأستاذ عبد العزيز سيد الأهل: ولما لم يصبح في الأرض مثله في العبادة والزهد، سماه الناس (زين العابدين) وحين رأوه لا يقوم من سجوده إلا إلى سجود سموه (السجاد) وحين ارتفعت علامات السجود في جبهته سموه (ذا الثفنات). (زين العابدين، لسيد الأهل: 35). 5ـ كان إذا توضأ للصلاة يصفر لونه، فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء؟ فيقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم. (إسعاف الراغبين: 208، مطالب السؤول 2/42ط2، نور الأبصار: 127، كشف الغمة: 198، الفصول المهمة: 183، صفة الصفوة 2/55). 6ـ كان إذا قام للصلاة أخذته الرعدة، فقيل له ما لك؟ فقال: ما تدرون بين يدي من أقوم ومن أناجي. (صفة الصفوة 2/55). 7ـ وقع حريق في بيت هو فيه ساجد، فجعلوا يقولون: يا بن رسول الله النار النار، فما رفع رأسه حتى أطفئت، فقيل له بعد قعوده: ما الذي ألهاك عنها؟ قال: ألهتني عنها النار الكبرى. (المناقب 2/251). 8ـ سقط ابنٌ له في بئر، فتفزّع أهل المدينة لذلك حتى أخرجوه، وكان قائماً يصلي فما زال عن محرابه، فقيل له في ذلك. فقال: ما شعرت، إني كنت أناجي رباً عظيماً. (كشف الغمة: 207). 9ـ أجمع أهل السير والتاريخ على أن الإمام زين العابدين (عليه السلام) كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة. (المناقب 2/251، الفصول المهمة: 183، نور الأبصار: 127، مطالب السؤول 2/47، كشف الغمة: 200، صفة الصفوة 2/56، إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: 208، بحار الأنوار 11/19). 10ـ سئلت مولاته عنه فقالت: أطنب أو أختصر؟ فقيل: بل اختصري. فقالت: ما أتيته بطعام نهاراً، ولا فرشت له فراشاً ليلاً قط. (المناقب 2/255، بحار الأنوار 11/21). 11ـ عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): أنّ أباه علياً ما ذكر لله عز وجل نعمة عليه إلا سجد، ولا قرأ آية من كتاب الله عز وجل فيها سجود إلا سجد، ولا دفع الله عز وجل عنه سوءاً يخشاه، أو كيد كائد إلا سجد، ولا فرغ من صلاة مفروضة إلا سجد، ولا وفق لإصلاح بين اثنين إلا سجد، وكان أثر السجود في جميع مواضع سجوده، فسمي السجاد لذلك. (أعيان الشيعة 4/410، بحار الأنوار 11/3). 12ـ قال الإمام الباقر (عليه السلام): ولقد كانت تسقط منه كل سنة سبع ثفنات من مواضع سجوده، وكان يجمعها فلما مات دفنت معه. (المناقب 2/252). 13ـ حج (عليه السلام) ماشياً فسار في عشرين يوماً من المدينة إلى مكة. (المناقب 2/252، روضة الواعظين 1/199). وجدير بنا اليوم وبعد أن عانينا هذا التدهور الأخلاقي الكبير، والانحطاط في المثل العليا، أن نرجع لسيرة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) ونجعلها سلماً لرقينا المنشود، ومصباحاً نستضيء به في هذا الظلام الدامس، عسى أن نحتفظ بالبقية الباقية من النشء، ونرجع القافلة إلى حضيرة الإسلام من جديد. وبين يديك قبس من سيرة الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام)، خذها للتطبيق والعمل: 1ـ قال سفيان: جاء رجل إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) فقال: إنّ فلانا وقع فيك وآذاك، فقال له: فانطلق بنا إليه، فانطلق معه وهو يرى أنّه سينتصر لنفسه، فلما أتاه قال له: يا هذا إن كان ما قلته في حقنا فالله تعالى يغفر لي، وإن كان ما قلته فيّ باطلاً، فالله تعالى يغفر لك. (كشف الغمة: 198، صفة الصفوة 2/53، مطالب السؤول 2/43، نور الأبصار: 126، الفصول المهمة: 184). 2ـ كان يوماً خارجاً فلقيه رجل فسبه، فثارت إليه العبيد والموالي، فقال لهم: مهلاً، ثم أقبل على ذلك الرجل وقال له: ما ستر عنك من أمرنا أكثر، ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحى الرجل، فألقى إليه (عليه السلام) خميصة (كساء أسود له علمان، فإن لم يكن معلماً فليس بخميصة) كانت عليه، وأمر له بألف درهم، فكان الرجل بعد ذلك يقول: أشهد أنك من أولاد الرسول. (صفة الصفوة 2/56، كشف الغمة: 200، مطالب السؤول 2/48، نور الأبصار: 128، إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: 208، وذكر بعضهم أنه أمر له بخمسة آلاف درهم). 3ـ كان عنده أضياف فاستعجل خادم له بشواء كان في التنور فأقبل الخادم مسرعاً فسقط السفود من يده على رأس بني لعلي بن الحسين تحت الدرجة فأصاب رأسه فقتله. فقال علي للغلام وقد تحير واضطرب أنت حر فإنك لم تعتمده. وأخذ في جهاز ابنه ودفنه. (مطالب السؤول 2/48، كشف الغمة:200، صفة الصفوة 2/56). 4ـ كان هشام بن إسماعيل ـ والي المدينة ـ يؤذي الإمام (عليه السلام) أذى شديداً، فلما عزل أمر به الوليد أن يوقف للناس، فكان يقول: إنّي لا أخشى إلا علي بن الحسين، ولكنّ الإمام (عليه السلام) مرّ به وسلم عليه، وأمر خاصته أن لا يعرض له أحد بسوء، وأرسل إليه: انظر إلى ما أعجزك من مال تؤخذ به فعندنا ما يسعك، فطب نفساً منا، ومن كل من يطيعنا. (أعيان الشيعة 4ق1/448). 5ـ لما خرج بنو أمية من المدينة إلى الشام ـ في واقعة الحرة ـ آوى إليه ثقل مروان بن الحكم وامرأته عائشة بنت عثمان بن عفان، وقد كان مروان بن الحكم لما أخرج أهل المدينة عامل يزيد وبني أمية من المدينة كلم عبد الله بن عمر أن يغيب أهله عنده، فأبى ابن عمر أن يفعل، وكلم مروان علي بن الحسين وقال: يا أبا الحسين: إنّ لي رحماً، وحرمي تكون مع حرمك. قال أفعل، فبعث بحرمه إلى علي بن الحسين، فخرج بحرمه وحرم مروان حتى وضعهم بينبع بالبغيبغة... وهذا منتهى مكارم الأخلاق، والمجازاة على الإساءة بالإحسان. (الإمام زين العابدين، تأليف أحمد فهمي محمد 49). 6ـ قال الإمام الباقر (عليه السلام): كان لعلي بن الحسين (عليه السلام) ناقة، حج عليها اثنتين وعشرين حجة ما قرعها قرعة قط. (أصول الكافي 1/467). 7ـ سكبت عليه الماء جارية ليتوضأ للصلاة فنعست، فسقط الإبريق من يدها فشجه، فرفع رأسه إليها فقالت له الجارية: إن الله عز وجل يقول: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) قال: قد كظمت غيظي. قالت: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) قال لها: عفا الله عنك. قالت: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) قال: اذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى. (كشف الغمة: 202). 8ـ دعا (عليه السلام) مملوكه مرتين فلم يجبه وأجابه في الثالثة فقال له: يا بني أما سمعت صوتي؟ قال: بلى. قال: فما بالك لم تجبني؟ قال: أمنتك. قال: الحمد لله الذي جعل مملوكي يأمنني. (كشف الغمة: 202). 9ـ كان (عليه السلام) لا يضرب مملوكاً بل يكتب ذنبه عنده حتى إذا كان آخر شهر رمضان جمعهم، وقررهم بذنوبهم وطلب منهم أن يستغفروا له الله كما غفر لهم، ثم يعتقهم ويجيزهم بجوائز، وما استخدم خادماً فوق حول. (أعيان الشيعة 4/417). 10ـ كان بينه وبين ابن عمه الحسن بن الحسن شيء من المنافرة، فجاء الحسن على علي وهو في المسجد مع أصحابه، فما ترك شيئاً إلا قاله من الأذى وهو ساكت، ثم انصرف الحسن، فلما كان الليل أتاه في منزله فقرع عليه الباب فخرج الحسن إليه، فقال له علي: يا أخي إن كنت صادقاً فيما قلت لي فغفر الله لي، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك والسلام عليك ورحمة الله، ثم ولى، فأتبعه حسن والتزمه من خلفه وبكى حتى رق له، ثم قال: والله لا عدت إلى أمر تكرهه. فقال له علي: وأنت في حل مما قلته. (صفة الصفوة 2/53، كشف الغمة: 198، مطالب السؤول 2/43). 11ـ قال إبراهيم بن سعد: سمع علي بن الحسين (عليهما السلام) واعية في بيته وعنده جماعة فنهض إلى منزله ثم رجع إلى مجلسه، فقيل له: أمن حدث كان الواعية؟ قال: نعم، فعزوه وتعجبوا من صبره، فقال: إنا أهل بيت نطيع الله عز وجل فيما يحب ونحمده فيما نكره. (المناقب 2/262، بحار الأنوار 11/27). 12ـ استطال رجل على علي بن الحسين (عليهما السلام) فتغافل عنه، فقال له الرجل إياك أعني. فقال له علي بن الحسين وعنك أغضي. (كشف الغمة: 206). 13ـ قال الصادق (عليه السلام): كان علي بن الحسين لا يسافر إلا مع رفقة لا يعرفونه، ويشترط عليهم أن يكون من خدم الرفقة فيما يحتاجون إليه، فسافر مرة مع قوم فرآه رجل فعرفه فقال لهم: أتدرون من هذا؟ فقالوا: لا، قال: هذا علي بن الحسين، فوثبوا إليه فقبلوا يده ورجله وقالوا: يا بن رسول الله أردت أن تصلينا نار جهنم لو بدت منا إليك يد أو لسان، أما كنا قد هلكنا إلى آخر الدهر، فما الذي يحملك على هذا؟ قال: إنّي كنت سافرت مرة مع قوم يعرفونني، فأعطوني برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ما لا أستحق، فإني أخاف أن تعطوني مثل ذلك، فصار كتمان أمري أحب إليّ. (بحار الأنوار 11/21). كل من كتب عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) تحدث عن صدقاته وبره وإحسانه إلى الفقراء، وقد شمل عطفه وكرمه منكري فضله، وجاحدي حقه، وكان يمزج إحسانه بخلقه الرفيع، وأدبه السامي. وفي هذه الصفحات أمثلة قليلة مما أورد له المؤرخون: 1ـ قال الإمام الباقر (عليه السلام): وكان يعجبه أن يحضر طعامه اليتامى والأضراء والزمني والمساكين الذين لا حيلة لهم، وكان يناولهم بيده، ومن كان منهم له عيال حمل له إلى عياله من طعامه، وكان لا يأكل طعاماً حتى يبدأ فيتصدق بمثله. (بحار الأنوار 11/20). 2ـ كان إذا أتاه سائل قال: مرحباً بمن يحمل زادي إلى الآخرة. (تذكرة الخواص: 184). 3ـ كان يتصدق بالسكر واللوز، فسئل عن ذلك فقرأ: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)، وكان يحبه. (أعيان الشيعة 4ق1/464). 4ـ قال الإمام الصادق (عليه السلام): كان علي بن الحسين (عليه السلام) يخرج في الليلة الظلماء فيحمل الجراب فيه الصرر من الدنانير والدراهم حتى يأتي باباً بابا فيقرعه ثم ينيل من يخرج إليه، فلما مات علي بن الحسين (عليه السلام) فقدوا ذاك، فعلموا أن علياً (عليه السلام) كان يفعل ذلك. (أصول الكافي 1/468). 5ـ قال الإمام الباقر (عليه السلام): ولما وضع (عليه السلام) على المغتسل نظروا إلى ظهره وعليه مثل ركب الإبل مما كان يحمل على ظهره إلى منازل الفقراء والمساكين. (الخصال: 517). 6ـ قال الإمام الصادق (عليه السلام): كان علي بن الحسين (عليهما السلام) إذا كان اليوم الذي يصوم فيه يأمر بشاة فتذبح وتقطّع أعضاؤها وتطبخ، وإذا كان عند المساء أكبّ على القدور حتى يجد ريح المرق وهو صائم ثم يقول: هاتوا القصاع، اغرفوا لآل فلان، واغرفوا لآل فلان، حتى يأتي على آخر القدر، ثم يؤتى بخبز وتمر فيكون ذلك عشاؤه. (بحار الأنوار 11/29 و22). 7ـ كان له ابن عم يأتيه بالليل متنكراً فيناوله شيئاً من الدنانير، فيقول: لكنّ علي بن الحسين لا يواصلني، لا جزاه الله خيراً، فيسمع ذلك ويحتمل، ويصبر عليه ولا يُعرّفه بنفسه، فلما مات علي بن الحسين (عليهما السلام) فقدها، فعلم أنّه هو كان، فجاء إلى قبره وبكى عليه. (بحار الأنوار 11/29 و22). 8ـ عن الصادق (عليه السلام): كان علي بن الحسين يعجب بالعنب، فدخل منه إلى المدينة شيء حسن، فاشترت منه أم ولده شيئاً وأتته به عند إفطاره، فأعجبه فقبل أن يمد يده وقف بالباب سائل فقال لها: احمليه، قالت: يا مولاي بعضه يكفيه. قال: لا والله، وأرسله إليه كله. فاشترت له من غد وأتت به، فوقف السائل ففعل مثل ذلك، فأرسلت فاشترت له وأتت له في الليلة الثالثة، ولم يأت سائل فأكل وقال: ما فاتنا منه شيء والحمد لله. (بحار الأنوار 11/26). 9ـ عن سفيان بن عيينة قال: رأى الزهري علي بن الحسين (عليهما السلام) في ليلة باردة مطرة، وعلى ظهره دقيق وهو يمشي. فقال: يا بن رسول الله ما هذا؟ قال: أريد سفراً أعدّ له زاداً أحمله إلى موضع حريز. قال: فهذا غلامي يحمله عنك، فأبى. قال: أنا أحمله عنك فإنّي أرفعك عن حمله. قال علي: لكني لا أرفع نفسي عما ينجيني في سفري، ويحسن ورودي على ما أرد عليه، أسألك بحق الله لما مضيت لحاجتك وتركتني. فلما كان بعد أيام قال له: يا بن رسول الله: لست أرى لذلك السفر الذي ذكرته أثراً؟ قال: بلى يا زهري ليس هو ما ظننت، ولكنه الموت وله استعد، إنما الاستعداد للموت تجنّب المحارم، وبذل الندى في الخير. (أعيان الشيعة 4/464، بحار الأنوار 11/20). 10ـ قال ابن عائشة: سمعت أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السر إلا بعد موت علي بن الحسين. (صفة الصفوة 2/54، نور الأبصار: 127، كشف الغمة: 199، الفصول المهمة: 184). 11ـ قال أبو حمزة الثمالي: كان زين العابدين (عليه السلام) يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به ويقول: إن صدقة السر تطفئ غضب الرب. (مطالب السؤول 2/48، كشف الغمة: 200، صفة الصفوة 2/56، البداية والنهاية 9/105). 12 ـ قال محمد بن إسحاق: كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم، فلما مات علي بن الحسين (عليهما السلام) فقدوا ما كانوا يؤتون به في الليل. (نور الأبصار: 127، كشف الغمة: 100، مطالب السؤول 2/45). 13ـ قاسم الله ماله مرتين. (تذكرة الخواص: 190، البداية والنهاية 9/105). 14ـ وقد كان زين العابدين (رضي الله عنه) عندما حاصر مسلم بن عقبة المدينة كفل أربعمائة امرأة مع أولادهن وحشمهن، وضمهن إلى عياله، وقام بنفقتهن إلى أن خرج ابن عقبة من المدينة، فأقسمت واحدة منهن أنّها ما رأت في دار أبيها وأمها من الراحة والعيش الهنيء، ما رأته في دار علي بن الحسين (رضي الله عنهما). (الإمام زين العابدين، تأليف أحمد فهمي محمد ص64). 15ـ لما مات وغسلوه جعلوا ينظرون إلى آثار في ظهره فقالوا: ما هذا؟ قيل: كان يحمل جراب الدقيق على ظهره ليلاً ويوصلها إلى فقراء المدينة سراً. (كشف الغمة: 199، مطالب السؤول 2/45، نور الأبصار: 127، صفة الصفوة 2/54). 16ـ لما مات (عليه السلام) وجدوه يقوت مائة بيت من أهل المدينة، كان يحمل إليهم ما يحتاجون إليه. (نور الأبصار: 127، كشف الغمة: 199، صفة الصفوة 2/54، مطالب السؤول2/45، إسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار: 209). كافأ الله بني أمية وبني العباس على عتوهم وتجبّرهم وظلمهم لأهل البيت (عليهم السلام)، وتضييقهم عليهم، ولم تكن هذه الإساءة لأشخاص الأئمة (عليهم السلام) فحسب، بل هي في الواقع لمجموع الأمة الإسلامية إذ حرموها من توجيهاتهم وإرشاداتهم (عليهم الصلاة والسلام)، وحالوا بينهم وبين القيام بمهامهم التي خصهم الله بها، وندبهم إليها، فكانوا (عليهم السلام) يتكتمون في تعاليمهم، ويتخفون بدروسهم، ويتقون بأمرهم، ولكن لله فيهم عناية في نشر هذه التعاليم بين الناس. وموضوع الخطب يحتاج إلى حرية في التصرف والعمل، وهذا مما حرموا منه (عليهم السلام)، ولكن وردت لبعضهم (عليهم السلام) خطب قليلة في مناسبات معينة، وفي هذا الفصل مما ورد للإمام زين العابدين (عليه السلام) من خطب: 1ـ من خطبة له (عليه السلام) في الكوفة وبعد أن خطبت أم كلثوم (عليها السلام) أومأ زين العابدين (عليه السلام) إلى الناس أن اسكتوا فسكتوا، فقام قائماً فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي وصلى عليه، ثم قال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أنا ابن المذبوح بشط الفرات من غير ذحل ولا ترات، أنا ابن من انتهك حريمه، وسلب نعيمه، وانتهب ماله، وسبي عياله، أنا ابن من قتل صبراً وكفى بذلك فخراً؛ أيها الناس ناشدتكم بالله هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه، وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة ثم قاتلتموه وخذلتموه، فتباً لكم لما قدمتم لأنفسكم وسوأة لرأيكم، بأية عين تنظرون إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذ يقول لكم: قتلتم عترتي، وانتهكتم حرمتي، فلستم من أمتي. فارتفعت أصوات الناس بالبكاء من كل ناحية ويقول بعضهم لبعض: هلكتم وما تعلمون. فقال (عليه السلام): رحم الله امرئً قبل نصيحتي، وحفظ وصيتي في الله وفي رسوله وأهل بيته، فإن لنا في رسول الله أسوة حسنة. فقالوا: بأجمعهم: نحن كلنا يا بن رسول الله سامعون مطيعون، حافظون لذمامك، غير زاهدين فيك، ولا راغبين عنك، فمرنا بأمرك يرحمك الله، فإنا حرب لحربك، وسلم لسلمك، لنأخذ ترتك وترتنا مما ظلمك وظلمنا. فقال (عليه السلام): هيهات هيهات أيها الغدرة المكرة، حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم، أتريدون أن تأتوا إليّ كما أتيتم إلى آبائي من قبل؟ كلا ورب الراقصات إلى منى، فإن الجرح لما يندمل، قتل أبي بالأمس وأهل بيته ومن معه، ولم ينسني ثكل رسول الله وثكل أبي وبني أبي، ووجده بين لهازمي، ومرارته بين حناجري وحلقي، وغصصه تجري في فراش صدري، ومسألتي أن لا تكونوا لنا ولا علينا. ثم انشد (عليه السلام): قد كان خيراً من حسين وأكرما أصـــيب حسين كان ذلك أعظما جــــزاء الــذي أرداه نار جهنما لا غرو إن قتل الحسـين وشيخه ولا تفرحوا يا أهل كوفان بالذي قتيل بشط النهر روحي فــــداؤه (بحار الأنوار 10/225) 2ـ من خطبة له (عليه السلام) بالشام وأمر يزيد بمنبر وخطيب أن يصعد المنبر فيذم الحسين وأباه (صلوات الله عليهما)، فصعد الخطيب المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم بالغ في ذم أمير المؤمنين والحسين الشهيد، وأطنب في مدح معاوية ويزيد، فذكرهما بكل جميل. فصاح به علي بن الحسين (عليهما السلام): ويلك أيها الخاطب اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق، فتبوأ مقعدك من النار. ثم قال: يا يزيد أتأذن لي حتى أصعد هذه الأعواد فأتكلم بكلمات لله فيهن رضا، ولهؤلاء الجلساء فيهن أجر وثواب، فأبى يزيد عليه ذلك، فقال الناس: يا أمير المؤمنين ائذن له فليصعد المنبر، فلعلنا نسمع منه شيئاً. فقال: إنه إن صعد لم ينزل إلا بفضيحتي وبفضيحة آل أبي سفيان. فقيل له: وما قدر ما يحسن هذا؟ فقال: إنه من أهل بيت زقوا العلم زقاً، فلم يزالوا به حتى أذن له فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى علي، ثم خطب خطبة أبكى فيها العيون وأوجل منها القلوب، ثم قال: أيها الناس: أعطينا ستاً وفضلنا بسبع، أعطينا العلم، والحلم، والسماحة، والفصاحة، والشجاعة، والمحبة في قلوب المؤمنين، وفضلنا بأن منّا النبي المختار محمداً (صلّى الله عليه وآله) ومنّا الصديق، ومنّا الطيار، ومنّا أسد الله وأسد رسوله، ومنا سيدة نساء العالمين، ومنّا سبطا هذه الأمة، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي. أيها الناس: أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الردا، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى، أنا ابن خير من انتعل واحتفى، أنا ابن خير من طاف وسعى، أنا ابن خير من حج ولبّى، أنا ابن من حمل على البراق في الهواء، أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أنا ابن من بلغ به جبرئيل إلى سدرة المنتهى، أنا ابن من دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلى بملائكة السما، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى، أن ابن محمد المصطفى، أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا لا إله إلا الله، أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بسيفين وطعن برمحين، وهاجر الهجرتين، وبايع البيعتين، وقاتل ببدر وحنين، ولم يكفر بالله طرفة عين، أنا ابن صالح المؤمنين ووارث النبيين، وقامع الملحدين، ويعسوب المسلمين، ونور المجاهدين وزين العابدين، وتاج البكائين، وأصبر الصابرين، وأفضل القائمين من آل ياسين، رسول رب العالمين، أنا ابن المؤيد بجبرئيل، المنصور بميكائيل، أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين وقاتل المارقين والناكثين والقاسطين، والمجاهد أعداءه الناصبين، وأفخر من مشى من قريش أجمعين وأول من أجاب واستجاب لله ولرسوله من المؤمنين، وأول السابقين، وقاصم المعتدين، ومبيد المشركين، وسهم من مرامي الله على المنافقين، ولسان حكمة العابدين وناصر دين الله، وولي أمر الله، ولسان حكمة الله، وعيبة علمه، سمح سخي، بهلول زكي، أبطحي رضي، مقدام همام، صابر صوّام، مهذب قوّام، قاطع الأصلاب، ومفرّق الأحزاب، أربطهم عناناً، وأثبتهم جناناً، وأمضاهم عزيمة، وأشدهم شكيمة، أسد باسل يطحنهم في الحروب إذا ازدلفت الأسنة، وقربت الأعنة، طحن الرحى، ويذروهم ذرو الرياح الهشيم، ليث الحجاز، وكبش العراق، مكي مدني، حنيفي عقبي، بدري أحدي، شجري مهاجري، من العرب سيدها، ومن الوغى ليثها، وارث المشعرين، وأبو السبطين الحسن والحسين، ذاك جدي علي بن أبي طالب (عليه السلام). ثم قال: أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيدة النساء. فلم يزل يقول: أنا أنا، حتى ضج الناس بالبكاء والنحيب، وخشي يزيد أن تكون فتنة، فأمر المؤذن فقطع عليه الكلام، فلما قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، قال علي (عليه السلام): لا شيء أكبر من الله. فلما قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال علي بن الحسين: شهد بها شعري وبشري ولحمي ودمي. فلما قال المؤذن: أشهد أن محمداً رسول الله، التفت من فوق المنبر إلى يزيد فقال: محمد هذا جدي أم جدك يا يزيد؟ فإن زعمت أنه جدك فقد كذبت وكفرت، وإن زعمت أنه جدي فلم قتلت عترته؟ (أعيان الشيعة 4ق1/433) 3ـ من خطبة له (عليه السلام) في المدينة لما أقبل زين العبدين (عليه السلام) إلى المدينة بعد وقعة كربلاء، وخرج أهلها لاستقباله وهم في كباء وعويل، فأومأ إلى الناس بالسكوت وقال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، بارئ الخلائق أجمعين، الذي بعُد فارتفع في السماوات العلا، وقرُب فشهد النجوى، نحمده على عظائم الأمور، وفجائع الدهور، وألم الفجائع، ومضاضة اللواذع، وجليل الرزء، وعظيم المصاب. أيها الناس: إن الله تعالى وله الحمد ابتلانا بمصائب وثلمة في الإسلام عظيمة، قتل أبو عبد الله الحسين (عليه السلام) وعترته، وسبيت نساؤه وصبيته، وداروا برأسه في البلدان، من فوق عامل السنان، وهذه الرزية لا مثلها رزية. أيّها الناس: فأيّ رجالات منكم يسرون بعد قتله، أم أي فؤاد لا يحزن من أجله، أم أية عين منكم تحبس دمعها، أو تضن عن انهمالها، فلقد بكت السبع الشداد لقتله، وبكت البحار بأمواجها، والسماوات بأركانها، والأرض بأرجائها والأشجار بأغصانها، والحيتان في لجج البحار، والملائكة المقربون، وأهل السماوات أجمعون. أيها الناس: أي قلب لا ينصدع لقتله، أم أي فؤاد لا يحن، وأي سمع لا يصم، أصبحنا مشردين مطرودين مذودين شاسعين عن الأمصار، كأنا أولاد ترك وكابل، من غير جرم أجرمناه، ولا مكروه ارتكبناه، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، إن هذا إلا اختلاق، والله لو أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) تقدم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم في الوصية بنا لما زادوا على ما فعلوا، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، من مصيبة ما أعظمها وأفجعها، وأوجعها وأكضّها وأفظعها وأمرّها، فعند الله نحتسب مصابنا، وما بلغ بنا فإنه عزيز ذو انتقام؟ فقام إليه صوحان بن صعصعة بن صوحان وكان زمِناً، واعتذر إليه بما هو مبتلى به من زمانة رجليه، فقبل (عليه السلام) عذره، وأحسن الظن به وشكره، وترحم على أبيه، ثم دخل المدينة بأهله وحرمه. (زين العابدين، للمقرم: 360). وصاياه ومن الوسائل التي اتبعها أئمتنا (عليهم السلام) للنهوض بالمجتمع هي وصاياهم الكثيرة، الحافلة بالإرشاد والتوجيه للأمة، ولو جمعت هذه الوصايا في مصنف مستقل لسدت فراغاً كبيراً في المكتبة الأخلاقية، لما احتوته من نصائح وحكم ودعوة إلى الخير والفضيلة. وفي هذه الصفحات بعض ما ورد من وصايا الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام): 1ـ من وصية له (عليه السلام) لابنه الإمام الباقر (عليه السلام): يا بني انظر خمسة فلا تصاحبهم ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق. فقال: يا أبت من هم عرّفنيهم؟ قال: إياك ومصاحبة الكذاب، فإنه بمنزلة السراب، يقرّب البعيد، ويبعّد لك القريب، وإياك ومصاحبة الفاسق، فإنه بائعك بأكلة أو أقل من ذلك، وإياك ومصاحبة البخيل، فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه؛ وإياك ومصاحبة الأحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، وإياك ومصاحبة القاطع لرحمه فإني وجدته ملعوناً في كتاب الله عز وجل في ثلاثة مواضع، قال الله عز وجل: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ أنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) وقال عز وجل: (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) وقال في البقرة: (يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ). (أصول الكافي 2/641، صفة الصفوة 2/56 بلفظ مقارب). 2ـ من وصية له (عليه السلام) لبعض أصحابه: قال أبو حمزة الثمالي: كان علي بن الحسين يقول لأصحابه: أحبكم إلى الله أحسنكم عملاً، وإن أعظمكم عند الله عملاً أعظمكم فيما عند الله رغبة، وإن أنجاكم من عذاب الله أشدكم خشية لله، وإن أقربكم من الله أوسعكم خلقاً، وإنّ أرضاكم عند الله أسبغكم على عياله، وإن أكرمكم عند الله أتقاكم لله تعالى. (زين العابدين، للمقرم: 141). 3ـ من وصية له (عليه السلام) أوصى بها الزهري: قال الإمام الباقر (عليه السلام): دخل محمد بن مسلم بن شهاب الزهري على علي بن الحسين (عليه السلام) وهو كئيب حزين، فقال له: ما لك مغموماً؟ قال: يا بن رسول الله هموم وغموم تتوالى عليّ لما امتحنت به من جهة حُسّاد نعمي، والطامعين فيّ، وممن أرجوه، وممن أحسنت إليه فيخلف ظني. فقال له علي بن الحسين (عليه السلام): احفظ عليك لسانك تملك به إخوانك. فقال الزهري: يا بن رسول الله إنّي أحسن إليهم بما يبدر من كلامي. فقال (عليه السلام): هيهات هيهات، إياك أن تعجب من نفسك بذلك، وإياك أن تتكلم بما يسبق إلى القلوب إنكاره وإن كان عندك اعتذاره، فليس كل ما تسمعه شرّاً يمكنك أن توسعه عذراً. ثم قال: يا زهري من لم يكن عقله من أكمل ما فيه كان هلاكه من أيسر ما فيه، يا زهري أما عليك أن تجعل المسلمين منك بمنزلة أهل بيتك، فتجعل كبيرهم بمنزلة والدك، وتجعل صغيرهم بمنزلة ولدك، وتجعل تربك منهم بمنزلة أخيك فأيّ هؤلاء تحب أن تظلم، وأيّ هؤلاء تحب أن تدعو عليه، وأيّ هؤلاء تحب أن تهتك ستره، وإن عرض لك إبليس لعنه الله بأن لك فضلاً على أحد من أهل القبلة، فانظر إن كان أكبر منك فقل: قد سبقني بالإيمان والعمل الصالح فهو خير مني، وإن كان أصغر منك فقل: قد سبقته بالمعاصي والذنوب فهو خير مني، وإن كان تربك فقل: أنا على يقين من ذنبي ومن شك من أمره، فما لي أدع يقيني لشكي، وإن رأيت المسلمين يعظمونك ويوقرونك ويبجلونك، فقل: هذا فضل أخذوا به، وإن رأيت منهم جفاءً وانقباضاً فقل: هذا الذنب أحدثته، فإنّك إن فعلت ذلك سهل الله عليك عيشك، وكثُر أصدقاؤك، وقلّ أعداؤك، وفرحت بما يكون من برهم، ولم تأسف على ما يكون من جفائهم. واعلم أن أكرم الناس على الناس من كان خيره عليهم فائضاً، وكان عنهم مستغنياً متعففاً، وأكرم الناس بعده عليهم من كان متعففاً وإن كان إليهم محتاجاً، فإنما أهل الدنيا يتعقبون الأموال، فمن لم يزدحمهم فيما يتبقونه كرم عليهم، ومن لم يزاحمهم فيها ومكنهم من بعضها كان أعز وأكرم. (الاحتجاج 2/52). 4ـ من وصية له (عليه السلام) لأصحابه: عن أبي حمزة الثمالي قال: قال علي بن الحسين (عليهما السلام) لأصحابه: أوصيكم إخواني بالدار الآخرة ولا أوصيكم بدار الدنيا فإنكم عليها حريصون، وبها متمسكون، أما بلغكم ما قال عيسى بن مريم (عليه السلام) للحورايين؟ فإنه قال: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمّروها. وقال: أيكم يبني على موج البحر داراً، تلكم دار الدنيا فلا تتخذوها قراراً. (زين العابدين، للمقرم: 176). 5ـ قال الإمام الباقر (عليه السلام): كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول لولده: اتقوا الكذب، الصغير منه والكبير، في كل جدٍّ وهزل، فإن الرجل إذا كذب في الصغير اجترأ على الكبير؛ أما علمتم أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: لا يزال العبد يصدق حتى يكتبه الله عز وجل صادقاً، ولا يزال العبد يكذب حتى يكتبه الله كاذباً. (إرشاد القلوب 1/178). 6ـ وصيته (عليه السلام) لسائر أصحابه وشيعته، وتذكيره إياهم كل يوم جمعة: أيها الناس: اتقوا الله واعلموا أنكم إليه راجعون، فتجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء، تودّ لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه؛ ويحك يا بن آدم الغافل وليس مغفولاً عنه إنّ أجلك أسرع شيء إليك قد أقبل نحوك حثيثاً يطلبك، ويوشك أن يدركك، فكأن قد أوفيت أجلك وقد قبض الملك روحك، وصُيّرت إلى قبرك وحيداً، فردّ عليك روحك واقتحم عليك ملكاك منكر ونكير لمساءلتك، وشديد امتحانك، ألا وإن أول ما يسألانك عن ربك الذي كنت تعبده، وعن نبيك الذي أُرسل إليك، وعن دينك الذي كنت تُدين به، وعن كتابك الذي كنت تتلوه، وعن إمامك الذي كنت تتولاه، وعن عمرك فيما أفنيت، وعن مالك من أين اكتسبته وفيما أنفقته فخذ حذرك، وانظر لنفسك، وأعدّ الجواب قبل الامتحان والمساءلة والاختبار، فإن تك مؤمناً عارفاً بدينك، متبعاً للصادقين، موالياً لأولياء الله، لقّاك الله حجتك، وأنطق لسانك بالصواب فأحسنت الجواب، وبشرت بالجنة والرضوان من الله، واستقبلتك الملائكة بالرَوح والريحان، وإن لم تكن كذلك تلجلج لسانك، ودُحضت حجتك، وعييت عن الجواب، وبُشرت بالنار، واستقبلتك ملائكة العذاب بنُزُلٍ من حميم، وتصلية جحيم. واعلم يا بن آدم أن ما وراء هذا أعظم وأفظع وأوجع للقلوب، يوم القيامة، ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود، يجمع الله فيه الأولين والآخرين يوم ينفخ في الصور، ويبعثر فيه القبور، وذلك يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين، ذلك يوم لا تقال فيه عثرة، ولا تؤخذ من أحد فِدية، ولا تُقبل من أحد معذرة، ولا لأحد فيه مستقبل توبة، ليس إلا الجزاء بالحسنات والجزاء بالسيئات، فمن كان من المؤمنين عمل في هذه الدنيا مثقال ذرة من خير وجده، ومن كان من المؤمنين عمل في هذه الدنيا مثقال ذرة من شر وجده. فأحذروا أيها الناس من الذنوب ما قد نهاكم الله عنها وحذركموها في الكتاب الصادق، والبيان الناطق، ولا تأمنوا مكر الله وتدميره عندما يدعوكم الشيطان اللعين إليه من عاجل الشهوات واللذات في هذه الدنيا، فإن الله يقول: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) وأشعروا قلوبكم خوف الله، وتذكروا ما وعدكم في مرجعكم إليه من حسن ثوابه كما قد خوّفكم من شديد عقابه، فإنه من خاف شيئاً حذره، ومن حذر شيئاً تركه، ولا تكونوا من الغافلين المائلين إلى زهرة الحياة الدنيا الذين مكروا السيئات وقد قال الله تعالى: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ) أو يأخذهم على تخوف، فأحذروا ما حذركم الله بما فعل بالظلمة في كتابه، ولا تأمنوا أن ينزل بكم بعض ما توعّد به القوم الظالمين في كتابه، فقد وعظم الله بغيركم، وإنّ السعيد من وعظ بغيره، ولقد أسمعكم الله في كتابه ما فعل بالقوم الظالمين من أهل القرى قبلكم حيث قال: (وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً ءَاخَرِينَ) وقال: (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ) يعني يهربون. قال: (لاَ تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ) فلما أتاهم العذاب (قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) فإن قلتم أيها الناس إن الله إنما عنى بهذا أهل الشرك، فكيف ذاك وهو يقول: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) اعلموا عباد الله أن أهل الشرك لا تنصب لهم الموازين، ولا تنشر لهم الدواوين وإنما يحشرون إلى جهنم زمراً، وإنما تنصب الموازين، وتنشر الدواوين لأهل الإسلام فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن الله لم يحب زهرة الدنيا لأحد من أوليائه، ولم يرغبهم فيها وفي عاجل زهرتها، وظاهر بهجتها، فإنّما خلق الدنيا وخلق أهلها ليبلوهم فيها أيهم أحسن عملاً لآخرته، وأيم الله لقد ضربت لكم فيه الأمثال، وصرفت الآيات لقوم يعقلون، فكونوا أيها المؤمنون من القوم الذين يعقلون ولا قوة إلا بالله، وازهدوا فيما زهدكم الله فيه من عاجل الدنيا، فإنّ الله يقول وقوله الحق: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) فكونوا عباد الله من القوم الذين يتفكرون، ولا تركنوا إلى الدنيا فإن الله قال لمحمد (صلّى الله عليه وآله): (وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) ولا تركنوا إلى هذه الدنيا وما فيها ركون من اتخذها دار قرار، ومنزل استيطان، فإنها دار قلعة، ومنزل بلغة، ودار عمل، فتزوّدوا الأعمال الصالحة قبل تفرق أيامها، وقبل الإذن من الله في خرابها، فكأن قد أخربها الذي عمرها أول مرة وابتدأها وهو ولي ميراثها. وأسأل الله لنا ولكم العون على تزود التقوى والزهد في الدنيا، جعلنا الله وإياكم من الزاهدين في عاجل هذه الحياة الدنيا، الراغبين في آجل ثواب الآخرة، فإنما نحن له وبه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (تحف العقول 182). حياة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كلها دعوة إلى الله تعالى، وإعلاء لكلمته، وإشادة بأمره؛ فكانوا يتوسلون بكل السبل والوسائل لإرشاد الأمة وتوجيهها الوجهة الصحيحة، وكانت رسائلهم الخاصة هي بعض هذه الوسائل التي كانوا يستخدمونها للإرشاد والتبليغ. إن من يتصفح هذه الرسائل يجدها طافحة بالتعاليم الإسلامية، مملوءة بالمواعظ والحكم والأخلاق. نذكر بعض ما ورد من كتب الإمام زين العابدين (عليه السلام): 1ـ من كتاب له (عليه السلام) إلى عبد الملك بن مروان جواباً عن كتاب كتبه إليه: أما بعد، فقد بلغني كتابك تعنفني بتزويجي مولاتي، وتزعم أنّه كان في نساء قريش من أمجد به في الصهر، واستنجبه في الولد، وأنّه ليس فوق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مرتقى في مجد، ولا مستزاداً في كرم، وإنما كانت ملك يميني خرجت مني بأمر إرادة الله عز وجل التمست فيه ثوابه، ثم ارتجعتها على سنته، ومن كان زكياً في دين الله فليس يخل به شيء من أمره، وقد رفع الله بالإسلام الخسيسة، وتمم به النقيصة، وأذهب اللوم، فلا لوم على امرئ مسلم، إنما اللوم لوم الجاهلية والسلام. فلما قرأ عبد الملك الكتاب رمى به إلى ابنه سليمان فقرأه ثم قال: يا أمير المؤمنين: لشد ما فخر عليك علي بن الحسين. قال عبد الملك: لا تقل ذلك يا بني، فإنها ألسن بني هاشم، وإن علي بن الحسين يا بني يرتفع من حيث يتضع الناس. ثم التفت عبد الملك لجلسائه فقال: أخبروني عن رجل إذا أتى ما يضع الناس لم يزده إلا شرفاً. قالوا: ذاك أمير المؤمنين. قال: لا والله. قالوا: ما نعرف إلا أمير المؤمنين. فقال عبد الملك: فلا والله، ما هو بأمير المؤمنين، ولكنه علي بن الحسين. (زين العابدين، لسيد الأهل ص60) 2ـ بلغ عبد الملك أن سف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عند علي بن الحسين فبعث يستوهبه منه ويسأله الحاجة، فأبى عليه، فكتب إليه عبد الملك يهدده، وأنّه يقطع رزقه من بيت المال. فأجابه (عليه السلام): أما بعد، فإن الله ضمن للمتقين المخرج من حيث يكرهون. والرزق من حيث لا يحتسبون وقال جل ذكره: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) فانظر أيّنا أولى بهذه الآية. (بحار الأنوار 11/27، أعيان الشيعة 4/481). 3ـ من كتاب له (عليه السلام) إلى محمد بن مسلم الزهري يعظه به: كفانا الله وإياك من الفتن، ورحمك من النار، فقد أصبحت بحال لمن عرفك بها أن يرحمك، فقد أثقلتك نِعَم الله بما أصح من بدنك، وأطال من عمرك، وقامت عليك حجج الله بما حمّلك من كتابه، وفقهك فيه من دينه، وعرّفك من سنة نبيه محمد (صلّى الله عليه وآله)، فرض لك في كل نعمة أنعم بها عليك، وفي كل حجة احتج بها عليك الفرض فما قضى إلا ابتلى شكرك في ذلك، وأبدى فيه فضله عليك فقال: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ). فانظر أيّ رجل تكون غداً إذا وقفت بين يدي الله فسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها، وعن حججه عليك كيف قضيتها، ولا تحسبن الله قابلاً منك بالتعذير، ولا راضياً منك بالتقصير، هيهات هيهات ليس كذلك، أخذ على العلماء في كتابه إذ قال: (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ). واعلم أن أدنى ما كتمت، وأخفّ ما احتملت أن آنست وحشة الظالم وسهلت له طريق الغي بدونك منه حين دنوت، وإجابتك له حين دعيت، فما أخوفني أن تكون تبوء بإثمك غداً مع الخونة، وأن تسأل عما أخذت بإعانتك على ظلم الظلمة؛ وأحببت من حادّ الله؛ أوَليس بدعائه إياك حين دعاك جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم، وجسراً يعبرون عليك إلى بلاياهم، وسلماً إلى ضلالتهم، داعياً إلى غيّهم، سالكاً سبيلهم، يدخلون بك الشك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم، فلم يبلغ أخصّ وزرائهم، ولا أقوى أعوانهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم، واختلاف الخاصة والعامة إليهم، فما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك، وما أيسر ما عمروا لك، فكيف ما خربوا عليك، فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك، وحاسبها حساب رجل مسؤول. وانظر كيف شكرك لمن غذّاك بنعمه صغيراً وكبيراً، فما أخوفني أن تكون كما قال الله في كتابه: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا). إنك لست في دار مقام، أنت في دار قد آذنت برحيل، فما بقاء المرء بعد قرنائه؛ طوبى لمن كان في الدنيا على وجل، يا بؤس لمن يموت وتبقى ذنوبه من بعده. أحذر فقد نبئت، وبادر فقد أجلت، إنك تعامل من لا يجهل، وإنّ الذي يحفظ عليك لا يغفل، تجهز فقد دنا منك سفر بعيد، وداو ذنبك فقد دخله سقم شديد، ولا تحسب أنّي أردت توبيخك وتعنيفك وتعييرك، لكني أردت أن ينعش الله ما فات من رأيك، ويرد إليك ما عزب من دينك، وذكرت قول الله تعالى في كتابه: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ). أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك، وبقيت بعدهم كقرن أعضب؛ انظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت، أم هل وقعوا في مثل ما وقعت فيه، أم هل تراهم ذكرت خيراً علموه، وعلمت شيئاً جهلوه، بل حظيت بما حلّ من حالك في صدور العامة وكلفهم بك، إذ صاروا يقتدون برأيك، ويعملون بأمرك إن أحللت أحلّوا، وإن حرّمت حرّموا وليس ذلك عندك ولكن أظهرهم عليك رغبتهم فيما لديك، ذهاب علمائهم وغلبة الجهل عليك وعليهم، وحب الرئاسة، وطلب الدنيا منك ومنهم، أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرّة وما الناس فيه من البلاء والفتنة، قد ابتليتهم وفتنتهم بالشغل عن مكاسبهم مما رأوا، فتاقت نفوسهم إلى أن يبلغوا من العلم ما بلغت، أو يدركوا به مثل الذي أدركت، فوقعوا منك في بحر لا يدرك عمقه، وفي بلاء لا يقدر قدره، فالله لنا ولك وهو المستعان. أما بعد فأعرض عن كل ما أنت فيه حتى تلحق بالصالحين الذي دفنوا في أسمالهم لاصقة بطونهم بظهورهم، ليس بينهم وبين الله حجاب، ولا تفتنهم الدنيا ولا يفتنون بها، رغبوا فطلبوا، فما لبثوا أن لحقوا، فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا المبلغ مع كبر سنك، ورسوخ علمك، وحضور أجلك، فكيف يسلم الحدث في سنه، الجاهل في علمه، المأفون في رأيه، المدخول في عقله؛ إنا لله وإنا إليه راجعون، على من المعوّل، وعند من المستعتب؟ نشكو إلى الله بثّنا وما نرى فيك، ونحتسب عند الله مصيبتنا بك. فانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيراً وكبيراً وكيف إعظامك لمن جعلك بدينه في الناس جميلاً، وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته في الناس ستيراً، وكيف قربك أو بعدك ممن أمرك أن تكون منه قريباً ذليلاً، ما لك لا تنتبه من نعستك، وتستقيل من عثرتك فتقول: (والله ما قمت لله مقاماً واحداً أحييت به له ديناً، أو أمتّ له فيه باطلاً) فهذا شكرك من استحملك وما أخوفني أن تكون كمن قال الله تعالى في كتابه: (أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) ما استحملك كتابه، واستودعك علمه فأضعتها، فنحمد الله الذي عافانا مما ابتلاك به والسلام. (تحف العقول: 200). ومن الوسائل التي اتبعها أئمتنا (عليهم الصلاة والسلام) للإرشاد هي أن ينثروا كلامهم على الناس بما يحويه من الحكم والمواعظ والآداب، الأخلاق، في أقصر عبارة، وأجمل تعبير، تعيها القلوب، وترددها الألسن، ويأخذها أصحابهم للعمل والتطبيق؛ وفي بطون الكتب آلاف الكلمات لهم (عليهم السلام)، حتى أن بعضهم جمع للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ألفي كلمة في كتاب مستقل. نذكر في هذا الفصل بعض ما ورد من كلمات الإمام علي بن الحسين (عليه السلام). 1ـ قال (عليه السلام): التارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالنابذ لكتاب الله وراء ظهره، إلا أن يتقي تقاة. قيل له: وما يتقي تقاة؟ قال: يخاف جباراً عنيداً أن يفرط عليه أو أن يطغى. (تذكرة الخواص: 185). 2ـ قال (عليه السلام): لا يقل عمل مع تقوى، وكيف يقل ما يتقبل؟ 3ـ وقال (عليه السلام): أبغض الناس إلى الله من يقتدي بسنة إمام ولا يقتدي بأعماله. 4ـ وقال (عليه السلام): كم من مفتون بحسن القول فيه، وكم من مغرور بحسن الستر عليه، وكم من مستدرج بالإحسان إليه. (الإمام علي، لمغنية: 219). 5ـ وقال (عليه السلام): كمال دين المسلم تركه الكلام فيما لا يعنيه، وقلة مرائه وحلمه وصبره وحسن خلقه. 6ـ وقال (عليه السلام): ثلاث منجاة للمؤمن: كف لسانه عن الناس باغتيابهم، واشتغاله بنفسه بما ينفعه لآخرته ودنياه، وطول البكاء على خطيئته. 7ـ وقال (عليه السلام): ما من شيء أحب إلى الله بعد معرفة النفس من عفة البطن والفرج. 8ـ وقال (عليه السلام): استح من الله لقربه منك. 9ـ وقال (عليه السلام): إياك والغيبة، فإنها إدام كلاب النار. 10ـ وقال (عليه السلام): ما يوضع في ميزان امرئ يوم القيامة أفضل من حسن الخلق. (زين العابدين، للمقرم: 216-220). 11ـ وقال (عليه السلام): من بات شبعان وبحضرته مؤمن جائع طاوٍ قال الله تبارك وتعالى: ملائكتي اشهدوا على هذا العبد أنّي أمرته فعصاني وأطاع غيري، فوكلته إلى عمله، وعزتي وجلالي لا غفرت له أبداً. (زين العابدين، للمقرم: 64). 12ـ وقال (عليه السلام): الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين. (أعيان الشيعة 4ق1/527). 13ـ وقال (عليه السلام): عجبت للمتكبر الفخور الذي كان بالأمس نطفة، وهو غداً جيفة، وعجبت كل العجب لمن شك في الله وهو يرى خلقه، وعجبت كل العجب لمن أنكر النشأة الأخرى وهو يرى النشأة الأولى، وعجبت كل العجب لمن عمل لدار الفناء وترك العمل لدار البقاء. 14ـ وقال (عليه السلام): إنّما التوبة العمل والرجوع عن الأمر، وليست التوبة بالكلام. (كشف الغمة: 199، 206). 15ـ وقال (عليه السلام): إن الله أخفى أربعة في أربعة: أخفى رضاه في طاعته، فلا تستصغرن شيئاً من طاعته فربما وافق رضاه وأنت لا تعلم، وأخفى سخطه في معصيته فلا تستصغرن شيئاً من معصيته فربما وافق سخطه معصيته وأنت لا تعلم، وأخفى إجابته في دعوته فلا تستصغرن شيئاً من دعائه فربما وافق إجابته وأنت لا تعلم، وأخفى وليه في عباده فلا تستصغرن، عبداً من عبيد الله فربما يكون وليه وأنت لا تعلم. 16ـ ورأى (عليه السلام): إنساناً قد برأ من المرض فقال له: يهنئك الطهور من الذنوب، إن الله قد ذكرك فاذكره، وأقالك فاشكره. 17ـ وقال (عليه السلام): من أطعم مؤمناً حتى يشبعه لم يدر أحد من خلقه الله ما له من الأجر في الآخرة، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا الله رب العالمين. ثم قال: من موجبات المغفرة: إطعام المسلم السغبان، ثم تلا قوله تعالى: (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَة)ٍ. (زين العابدين، للمقرم: 191، 196، 197). 18ـ وقال (عليه السلام): أربع من كنّ فيه كمل إسلامه، ومحصت عنه ذنوبه، ولقي ربه عز وجل وهو عنه راض: من وفى لله عز وجل بما يجعل على نفسه للناس، وصدق لسانه مع الناس، واستحيى من كل قبيح عند الله وعن الناس، وحسن خلقه مع أهله. 19ـ وقال (عليه السلام): القول الحسن يثري المال، وينمي الرزق، وينسأ في الأجل، ويحبّب إلى الأهل، ويدخل الجنة. (الخصال: 222 و290 و317). 20ـ وقال (عليه السلام): ضمنت علي ربي عز وجل أن لا يسأل أحد من غير حاجة إلا اضطرته المسألة يوماً إلى أن يسأل من حاجة. (من لا يحضره الفقيه 2/40). ظاهرة البكاء في حياة الإمام السجاد بقلم الشيخ عبد المحسن البقشي الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) الإمام الرابع من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) صاحب النسب الرفيع. الذي عرف بعبادته وزهده مضافاً إلى علمه الجم وكما ورد عن فقهاء العامة (إنّ للإمام علي بن الحسين من العلوم ما لا يحصى كثره ونعظ عنه المواعظ والأدعية وفضائل القرآن والحلال والحرام والأيام ما هو مشهور بين العلماء). وهناك ظواهر تستحق في حياة الإمام السجاد (عليه السلام) نذكر منها أربع ظواهر وهي: ـ 1 ـ ظاهرة البكاء . 2 ـ ظاهرة التعبد . 3 ـ ظاهرة الإعتاق . 4 ـ ظاهرة الإنفاق ونقصر الكلام حول الظاهرة الأولى: فسببها مأساة كربلاء واستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه الأخيار، وخروج عياله ونسائه سبايا يساقون من بلد إلى بلد، هذه النهضة الحسينية التي مثلت الحق في وجه الباطل إلى يوم القيامة. وقد تسلم الإمام السجاد منصب الإمام بعد مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) مباشرة وكانت الظروف صعبة عصيبة حيث أراد عمر بن سعد مقتل الإمام السجاد (عليه السلام) ولكن الله تكفل بحفظه ورعايته، ومن هنا كان الإمام (عليه السلام) يحترس في كلامه ويحتاط في تصرفاته حفاظاً على نفسه حينما أُخذ أسيراً بيد أعدائه. ومما هو واضح من تاريخ الثورة الحسينية أن لها فصول ثلاثة، الأوّل قام به الرسول (صلى الله عليه وآله) والإمام علي والإمام الحسن (عليهما السلام)، والفصل الثاني قام به الإمام الحسن (عليه السلام) نفسه، والفصل الثالث ما قام به الائمة (عليهم السلام) بعد الإمام الحسين (عليه السلام) لتبقى ثورة الإمام الحسين حية في النفوس ومجالاً تربوياً مهماً يتغذى منه الفرد المحب لأهل البيت (عليهم السلام) وكان للبكاء الأثر الواضح لبقاء وهج الثورة وبريقها، وممن قام بهذه الدور الإمام السجاد (عليه السلام) وتركز عمله على جوانب ثلاثة: 1 ـ إبقاء ذكر الحسين (عليه السلام) والإشادة باسمه وذلك بالاحتفاظ بأي شيء يشير إليه، وبعث كل ما يؤدي أو يرمز للحسين (عليه السلام). فعن الإمام الرضا (عليه السلام) (كان علي بن الحسين يتختم بخاتم أبيه) وهذا يعنى الاصرار على المحافظة على ذكر الحسين وإبقاء رمز وجوده. ومن الأساليب أيضاً رفع الشعار التالي من قبل الإمام (خزي وشقي قاتل الحسين بن علي) الذي كان نقش خاتمه، وكذلك اخذه من تربة كربلاء (كان له خريطة ديباج صفراء فيها تربة أبي عبد الله (عليه السلام) فكان إذا حضرت الصلاة سجد عليها)(1). 2 ـ إظهار الظلامة الكبيرة التي حلت بالحسين (عليه السلام) وخير وسيلة لإظهار ذلك كانت البكاء وهي وسيلة مشروعة ولا تشير السلطة أيضاً لأنهم لا يرون فيها غير العاطفة والارتباط الرحمي بين ولد فقد والده وأعز أسرته، ولكي يكون البكاء مؤثراً لابد أن يكون متميزاً في شكله ومضمونه حتى عد من البكائين الخمسة المعروفين فما وضع طعام بين يديه إلاّ بكى، وما شرب ماء الاّ وبكى وبقي هكذا أكثر من عشرين سنة(2) فبكاء الإمام السجاد لم يكن عاطفياً وإنما كان ذا مضامين وأهداف بعيدة وعميقة، وانعكست هذه الحالة المشجية عنه وكأنه أوقف حياته من أجلها وإرتبط كل سلوكه بها، حتى أن عبد المطلب حينما رأى إعراض الإمام عنه وعدم الالتفات إليه إثناء الطواف اعتقد أن هذا الاعراض يرتبط بقضية قتل أبيه وقال له بعد أن ردوه إليه (يا علي بن الحسين إني لست قاتل أبيك فما يمنعك من المصير إلي فأجابه الإمام (عليه السلام) (إنّ قاتل أبي أفسد بما فعله دنياه وأفسد أبي بذلك آخرته فإن أحببت أن تكون كهو فكن). ومن الروايات التي تحكم فعل الإمام السجاد (عليه السلام) ما ورد عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: إن زين العابدين بكى على أبيه أربعين سنة صائماً قائماً ليله، فإذا حضر الإفطار، جاء غلامه بطعامه وشرابه فيضمه بين يديه فيقول: كل يا مولاي، فيقول: قتل ابن رسول الله جائعاً قتل ابن رسول الله عطشاناً حتى يبل بالدعوع ويكرر ذلك مراراً. وفي هذا المجال الكثير من الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام). ونتيجة هذا وذاك أن تعريف الناس خصوصاً بعد أن عانوا التجربة الاموية على قصة هذا الإنسان العظيم ابن ذلك البطل المقتول بكربلاء مع عزته وأهل بيته، وعلموا أن قضية كانت من أجل هذه الامة ومن أجل صلاحها، فكان الحب وكان العطف والمولاة والتشيع لهذا البيت يكبر ويزداد يوماً بعد يوم بواسطة كربلاء وبطلها المذبوح وبطلها الحي. والإمام السجاد كان بعمله هذا يريد أن يبكي الناس والاجيال كلها على مصيبة الحسين (عليه السلام) لأنها قضية الإسلام على مر الأجيال فكان في حث الإمام السجاد الناس على البكاء قوله: (وهذه الرزية التي لا مثلها رزية، أيها الناس فأي رجالات منكم يسرون بعد قتله أم أي فؤاد لا يحزن من أجله أم أي عين منكم تحبس دمعها) والروايات في هذا المجال كثيرة أيضاً. 3 ـ المهمة الثالثة للإمام السجاد وهي اعطاء المفاهيم الصحيحة عن النهضة الحسينية وسببها وما أعقبها من أحداث ووضع المقاييس الإسلامية الثابتة من خلال هذه التجربة المباركة لئلا يستغلها بعض المنتفعين، وخوفاً من أن ينحرف فهم البعض في الاستفادة منها، واستلهام الدروس من هذه الواقعة المؤلمة. واستخدم وسائل لنشر الفكر الصحيح منها: استخدام الوسيلة الإعلامية من الخطب والأحاديث والأسئلة والأجوبة والأدعية المباركة. ومنها: استخدام الممارسات الفعلية من السلوك اليومي والمواقف العملية والتعامل الاجتماعي والاخلاقي التي تبرهن للأمة مكانة وقدسية أهل البيت وتعكس لهم الصورة الناصعة من متبنياتهم، وشدة التزامهم بالدين ورعايتهم لشؤون المسلمين. الإمام السجاد باعث الإسلام من جديد بقلم السيد جعفر مرتضى العاملي بعد أن استشهد الإمام الحسين صلوات الله عليه مع أهل بيته وأصحابه.. واطمأن الأمويون – حينئذٍ – فقط.. إلى أن آل علي (عليهم السلام)، قد انتهى أمرهم، وطويت صفحتهم، ولن تقوم لهم بعد – بزعم الأمويين – أية قائمة، ولن تبرق لهم في الأفق أية بارقة.. بعد ذلك ومع ذلك فقد استمروا في اتباع سياساتهم الرعناء تجاه أهل البيت (عليهم السلام) والأمة.. بهدف تكريس الأمر نهائياً في البيت الأموي، ولكي يبقى العرش الأموي محتفظاً بوجوده وبتفوّقه.. ولكن قد خاب فألهم، وطاش سهمهم.. فما كانت سياساتهم تلك إلا وبالاً ودماراً عاد عليهم أنفسهم.. فإننا نستطيع أن نقول: إن سياسات الأمويين تلك تتمثل بالخطوط التالية: 1- ملاحقة أهل البيت (عليهم السلام) إعلامياً بالافتراء عليهم، وتوجيه مختلف التهم الباطلة إليهم، وتصويرهم على أنهم هم المعتدون، والظالمون الآثمون.. الذين لا يتورعون عن أية عظيمة ولا يمتنعون عن ارتكاب أية جريمة، وحتى قتل الحسين عليه السلام، فإنه لم يكن إلا لأنه كان هو الجاني على نفسه، والساعي إلى حتفه، وهو المذنب والمعتدي، وهم وحدهم الضحية، والمظلومون معه في هذه القضية.. ومن ذا الذي يستطيع أن يرد على دعايات الأمويين هذه، أو يظهر الترديد والتشكيك فيها؟! أو بالأحرى من ذا الذي يستطيع أن يجهر بالحقيقة، ولو من دون تعرض لدفع دعايات الأمويين ودحض افتراءاتهم وأكاذيبهم؟!. 2- سياسة التجويع والحرمان لأهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم، وحرمانهم من كل الامتيازات ومصادرة أموالهم، وحتى هدم بيوتهم، حتى لا يجدوا اللقمة – لقمة العيش – إلا على موائد الأمويين، ومن لف لفهم، ودار في فلكهم.. وإجبارهم – وخصوصاً شخصيات آل علي – على التوجه إلى الحكام في وفادات منتظمة، لاستجداء لقمة العيش.. ولحفظ كراماتهم ودمائهم، حتى لا يعتبرهم الحكم في موقف المعارضة، فيستحل كل تصرف ضدهم، مهما كان قاسياً وشرساً وعنيفاً.. حتى إذا تأخرت أحياناً وفادة بعضهم عليهم تجدهم هم أنفسهم يطالبون بذلك ويتساءلون عنه وعن سببه وسره.. إن لم يبادروا إلى استقدامهم بشكل مباشر وصريح.. وبذلك يكونون قد شغلوا تلك الشخصيات بالبحث عن لقمة العيش، وصرفوا همتهم إلى هذا المجال.. بالإضافة إلى أنهم يستفيدون من ذلك سياسياً وإعلامياً كما هو واضح. 3- ثم هناك سياسة الاضطهاد والملاحقة المرة والشرسة لكل من يتصل بأهل البيت (عليهم السلام)، أو يظهر منه الميل إليهم.. الملاحقة التي لا تنتهي إلا بالتصفيات الجسدية والنفسية، أو بما لا يقل سوءاً وفظاعة وبشاعة عن ذلك.. ويستفيدون بذلك أمرين: الأول: الحرب النفسية لآل علي أنفسهم، ومحاولة جعل اليأس يتطرق إلى نفوسهم، فلا يفكرون بعد بأية حركة، ولا بالوقوف أي موقف يتعارض مع مصلحة الهيئة الحاكمة.. الثاني: منع الناس من الاقتراب منهم، والاستفادة من تعاليمهم، والتخلق بأخلاقهم، والتعرف على الإسلام الصحيح الذي عندهم.. فإن الناس إذا علموا أن الاقتراب من آل علي لا يعني إلا الدمار والشقاء لهم، ولكل من يلوذ بهم، فإنهم سوف يجنبون أنفسهم ذلك.. ويؤثرون السلامة والراحة – كما هو طبع كل إنسان – على التعب والعناء، إن لم يكن الدماء والفناء.. وعلى هذا الأساس، ومن هذا المنطلق كان إصرارهم على لعن سيد الأوصياء أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام على المنابر – بل كانوا يعتبرون كما يقول مروان – على ما يظهر – إن بذلك استقامة ملكهم، وبقاء سلطانهم.. فإن لعنه – والعياذ بالله – إنما يعني: ألف: خوف من يعرف الحقيقة من الاتصال بأهل بيت علي (عليه السلام) وشيعته، وحرمانه من ثم من الاستفادة من تعاليمهم، والتخلق بأخلاقهم، والسير على منهاجهم، الذي هو منهاج الإسلام الصحيح كما قلنا.. فإسلام الإمام علي (عليه السلام)، لم تطلع عليه الأمة، ولم تعرفه كما يجب، وإنما عرفت الإسلام الأموي إسلام المصالح والأهواء، الإسلام الذي يستحل السلب والنهب، وقتل النفوس البريئة، وفعل كل عظيمة، وارتكاب كل جريمة في سبيل الملك والسلطان، وفي سبيل المال.. واللذة.. وأما من لا يعرف الحقيقة – وهؤلاء من الأغلبية الساحقة – كما سنرى فلسوف يصدق بأن هذه الشخصية ومن يمت إليها بصلة أو رابطة شخصية منحرفة حقاً، وليس من المناسب، ولا من الصالح الديني، ولا الدنيوي الاتصال بها وبمن يمت أليها بصلة.. حتى ليتجرأ معاوية على القول لأهل الشام: إن علياً (عليه السلام) لم يكن يصلي (1) - والعياذ بالله – وحتى إن عشرة من قواد أهل الشام وأمرائهم، إلى قيام الدولة العباسية ما كانوا يعرفون أن للنبي (صلى الله عليه وآله) قرابة سوى بني أمية، وقد حلفوا على ذلك لأبي العباس السفاح بأغلظ الإيمان (2). وغير ذلك من الشواهد الكثيرة جداً في التاريخ الإسلامي، في عهد الأمويين وبعده.. باء: وشيعة علي وأهل بيته أيضاً يرون أنفسهم غير مقبولين اجتماعياً، ولا يمكنهم ممارسة أي نشاط مهما كان، فتخمد جذوة الثورة في نفوسهم، وينصرفون عن التخطيط لأي عمل يضر بصالح الهيئة الحاكمة.. جيم: كما أن الأمويين يكونون قد أخذوا بثارات بدر وغيرها، وكذلك الجمل وصفين، وشفوا غيظ قلوبهم من علي (عليه السلام)، هذا الذي كان القضاء النازل عليهم، والبلاء المبرم، الذي لم يجدوا منه مناصاً ولا عنه محيداً.. 4- سياسة التجهيل: التي كانت تتعرض لها الأمة بأسرها، ويكفي أن نذكر: أن الناس والهاشميين بالذات كانوا في زمن السجاد عليه السلام، لا يعرفون كيف يصلون، ولا كيف يحجون (3). وإذا كانت الصلاة، التي هي الركن الأعظم في الإسلام، ويؤديها كل مكلف خمس مرات يومياً كان لا يعرف حدودها وأحكامها من هم أقرب الناس إلى مهبط الوحي والتنزيل، والذين يفترض فيهم أن يكونوا أعرف من كل أحد بالشريعة، وأحكام الدين، فكيف تكون حالة غيرهم من أبناء الأمة، وما هو مقدار معرفتهم بالشريعة والدين إذن؟ وما هو مدى معرفة الأمة وبالأخص من هم أبعد عن مصدر العلم والمعرفة بالأحكام الأخرى التي يكون التعرض لها والابتلاء بها أقل؟! إننا نترك الجواب عن ذلك إلى أنس بن مالك الذي يقول – على ما رواه البخاري والترمذي – ما أعرف شيئاً مما كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) . قيل: الصلاة؟ قال: أليس صنعتم ما صنعتم فيها (4) وقال الزهري: دخلنا على أنس بن مالك بدمشق – وهو وحده – يبكي قلت: ما يبكيك؟ قال: لا أعرف شيئاً مما أدركت إلا هذه الصلاة، وقد ضيعت (5).. وبعد عصر أنس بقليل نجد الحسن البصري يقول: لو خرج عليكم أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) ما عرفوا منكم إلا قبلتكم (6). وروى مالك في الموطأ عن عمه عن جده مالك أنه قال: ما أعرف شيئاً مما أدركت عليه الناس إلا النداء للصلاة (7).. فنقل السيوطي في شرحه عن الباجي قوله ": يريد الصحابة، وأن الأذان باقٍ على ما كان عليه، لم يدخله تغيير ولا تبديل بخلاف الصلاة، فقد اخرت عن أوقاتها، وسائر الأفعال دخلها التغيير انتهى (8). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: لو أن رجلين من أوائل هذه الأمة خلوا بمصحفيهما في بعض هذه الأودية لأتيا الناس اليوم ولا يعرفان شيئاً مما كانا عليه (9). وبعد هذا.. فإن من الطبيعي أن يعتبر من حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وآله بعض الأحاديث – أربعين حديثاً مثلاً، أو عرف بعض الأحكام – إن من الطبيعي أن يعتبر أنه أعلم الناس وأعظمهم في وقته وعصره، ولاسيما إذا أضاف إلى ذلك وزاد عليه ما شاءت له قريحته، وسمحت به نفسه، حيث لا رقيب عليه ولا حسيب، ولا من يستطيع أن يميز هذا عن ذاك.. ولذلك نجد أن سوق الكذابين والوضّاعين – وحتى بعض من أسلم من أهل الكتاب نجد أن سوقهم قد راج، وصاروا هم أهل العلم والمعرفة والثقافة للأمة حينما انضووا تحت لواء الحكام وأبعد أهل البيت (عليهم السلام) عن الساحة وأجبروهم على التخلي عنها، حتى لنجد أن السجاد عليه السلام يقول في دعائه الخاص بيوم الجمعة وعرفه (10): "اللهم إن هذا المقام لخلفائك وأصفيائك، ومواضع أمنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها قد ابتزوها.. حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزين يرون حكمك مبدلاً وكتابك منبوذاً وفرائضك محرفة عن جهات أشراعك، وسنن نبيك متروكة الخ.." (11). بل نجد السجاد (عليه السلام) أيضاً يقول للقاسم: "إياك أن تشد راحلة ترحلها هنا لطلب العلم، حتى يمضي لكم بعد موتي سبع حجج " (12). وكان السجاد عليه السلام إذا سافر صلى ركعتين ثم ركب راحلته، وبقي مواليه يتنفلون، فيقف ينتظرهم ولا يمنعهم من ذلك مع أن النوافل في السفر غير مشروعة.. بل نجد أن علياً قبل ذلك يشكو من عدم تمكنه من إظهار علمه ونشره، فهو يتلهف ويقول: إن في صدري هذا لعلماً جماً علمنيه رسول الله لو أجد حفظة.. كما أن الباقر عليه السلام يقول ما يقرب من هذا.. وعلي عليه السلام أيضاً يتنفس الصعداء على المنبر ويقول: "سلوني قبل أن تفقدوني فإن بين الجوانح مني علماً جماً هاه هاه ألا لا أجد من يحمله".. وقال عليه السلام: "لو أجد ثلاثة رهط استودعهم العلم، وهم أهل لذلك لحدثت بما لا يحتاج فيه إلى نظر في حلال ولا حرام، وما يكون إلى يوم القيامة". وكذلك هو يقول: "إنه لو حدثهم ببعض ما يعلم من الحق في الكتاب الذي نزل به جبرئيل على محمد لتفرقوا عنه حتى يبقى في عصابة حق قليلة" (13).. فإذا كان هذا هو حال الأمة في زمن علي عليه السلام.. ولم يكن الأمويون بعد قد تسلطوا على الأمة بشكل فعال، فكيف كان حال الناس بعده.. في زمن معاوية وزمن يزيد، الذي أخذ مسرف بن عقبة البيعة من أهل المدينة على أنهم خول له، والذي قتل الحسين (عليه السلام)، ونصب المنجنيق على الكعبة ثم بعده عبد الملك بن مروان والحجاج وغيرهم من جبابرة وملوك بني مروان؟!.. نعم.. لقد صار أولئك الوضاعون والكذابون وأصحاب المصالح، وحتى مسلمة أهل الكتاب هم مصدر الثقافة والمعرفة، وهم معلموا الأمة، وهداتها. وقد ساعد الحكام على ذلك.. ووفروا لهم الحماية الكافية، والمال، وساعدوهم في كل ما يريدون ويشتهون، وذلك لأمور: الأول: إن هؤلاء كانوا يخدمون العرش الأموي بشكل فعال، ويؤيدونه بمختلف المختلقات والافتراءات، على شكل روايات تتخذ صفة القداسة في نفوس الناس، وتترسخ في وجدانهم، لأنها منسوبة إلى نبي الأمة الأعظم، صلى الله عليه وآله وسلم. الثاني: إنهم قد وجدوا فيهم ما يقدمونه للناس على أنه البديل عن أهل البيت عليهم السلام.. فلا يعيش الناس في الفراغ النفسي والعقائدي والتشريعي الذي سوف يتركه إبعاد أهل البيت (عليهم السلام) عن المجال العملي العام.. الثالث: وهو الأهم: إن السياسة الأموية كانت قائمة أساساً على إبعاد الناس عن الإسلام الصحيح، وحتى على القضاء على الشخصية النبوية في نفوس الناس قضاءً مبرماً ونهائياً.. هذه الشخصية التي سوف لن يكون تعرف الأمة عليها على حقيقتها في صالح العرش الأموي على الإطلاق.. ولذلك نجد أنه كانت ثمة رقابة كاملة على سنة النبي (صلى الله عليه وآله) وسيرته، وحتى على سيرة أصحابه ولاسيما الأنصار منهم كما يظهر من كتاب الموفقيات للزبير بن بكار، وعلى سيرة علي عليه السلام وأهل البيت (عليهم السلام) وسلوكهم ومفاهيمهم وتعاليمهم بشكل أخص.. ومحاولة التعتيم عليها أو التشكيك فيها، وحتى قلبها رأساً على عقب إن أمكن ذلك.. وقد أشرنا إلى ذلك بشيء من التفضيل في مقال سابق فلا نعيد.. وقد ساعدهم على ذلك سياستهم الخاصة تجاه صحابة النبي (صلى الله عليه وآله)، وتجاه حديث النبي.. والتي كانت تقضي بالمنع عن التحديث عنه (صلى الله عليه وآله) إلا بنوع خاص من الأحاديث وبمنع كبار الصحابة من السفر إلى البلاد لتثقيف الناس.. حتى مات هؤلاء الصحابة وانقرضوا أو كادوا، ولم يبق إلا بعض الصغار منهم، والذين لم يعرفوا الكثير منه (صلى الله عليه وآله) ولم يعايشوه بالشكل الواعي والكافي.. بل إنك لتجد أن بعض كبارهم كان يعاشره البعض سنة فلا يسمعه يقول قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان يجعل هذا من ميزاته وحسناته ويفوز بكثير من المدح والثناء عليه (14). كانت تلك لمحة خاطفة عن الوضع الذي كانت تعيش فيه الأمة في زمن السجاد عليه السلام.. وكانت تلك بعض الخيوط السياسية للحكم الأموي آنذاك.. وفي هذا الجو بالذات كان على الإمام السجاد عليه السلام أن يقوم بمهمة إمامة الأمة وهدايتها إلى الإسلام، الإسلام الصحيح، إسلام محمد (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام).. إسلام القرآن.. ولقد كانت مهمته هذه في غاية الصعوبة والخطورة.. فقد عرفنا موقف الحكم الأموي منه، ومن أبيه وجده، وعمه، ومن أهل بيته وشيعته، وكل من يلوذ بهم بسبب أو نسب.. وإذا أضفنا إلى ذلك: أن الإمام الحسين عليه السلام كان أعظم شخصية في الأمة الإسلامية، ولم تنس الأمة بعد ما سمعته من النبي صلى الله عليه وآله سلم في حقه.. مع ما عرفته فيه طيلة سبعة وخمسين عاماً من السلوك المثالي، والاستقامة على الحق، والعلم والوعي الذي لا يقاس ولا يضاهى، وغير ذلك من الصفات الفضلى، والسجايا النبيلة.. ولم يكن لولده السجاد زين العابدين عليه السلام – الذي لم يكن عمره يزيد على ثلاثة وعشرين عاماً – هذه المكانة التي كانت لأبيه الحسين (عليه السلام)، ولا كان معروفاً لدى الأمة على نطاق واسع، ولا اشتهر عنه بد ما كان قد اشتهر وشاع عن أبيه صلوات الله وسلامه عليه. وحينما استشهد الحسين عليه السلام مع أهل بيته وأصحابه اعتبر الأمويون والناس: أن أهل البيت (عليهم السلام) قد انتهى أمرهم، وأفل نجمهم.. فلا الأمويون يخافونهم، ولا غير الأمويين يرجونهم.. هذا عدا عن عدم جرأة أحد على الاتصال بهم، وعدا عن الجهل المطبق بالإسلام، فكانت الردة عن أهل البيت (عليهم السلام) والابتعاد عنهم عامة وشاملة.. وحتى ليقول الصادق عليهم السلام: ارتد الناس بعد قتل الحسين إلا ثلاثة: أبو خالد الكابلي ويحيى بن أم الطويل وجبير بن مطعم (لعل الصحيح: حكيم بن جبير) ثم إن الناس لحقوا وكثروا (15). وإذن.. فلابد للسجاد عليه السلام أن يبدأ العمل من نقطة الصفر تقريباً، ولاسيما عقائدياً، ويعيد الإسلام من جديد ويوجه الناس نحو تعاليمه وأحكامه.. ويعيد للناس عقيدتهم التي كانت قد تعرضت للكثير من التحريف، وأن يعيد لهم ثقتهم بأهل بيت نبيهم (صلى الله عليه وآله) .. والخلاصة: أن يبدأ تماماً كما بدأ النبي (صلى الله عليه وآله) فيما سبق من نقطة الصفر. والسجاد (عليه السلام) هو خليفة ذلك النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله). ولابد له أيضاً.. من الحفاظ على العلويين، وكل من يتشيع لهم.. ولابد له بالإضافة إلى ذلك: من أن يكسر ذلك الطوق الحديدي الذي ضربه الحكم حولهم لاحتواء كل تصرفاتهم ونشاطاتهم.. ولابد له كذلك.. من إعادة ثقة الأمة بأهل البيت (عليهم السلام)، وتوجيهها نحوهم واعتبارهم المصدر الأصفى لتعاليم الإسلام، الإسلام القرآني الصحيح. ومصدر كل المعارف والعلوم النافعة والأفكار الراقية، والأخلاق الفاضلة الكريمة.. ولقد نجح عليه السلام في كل ذلك أيما نجاح، رغم قسوة الظروف ورغم الأخطار الجسيمة التي كان يواجهها، حيث لم يكن أية حماية أو رعاية من أي جهة كانت، ومن أي نوع كانت.. نعم لقد نجح في ذلك نجاحاً باهراً، حتى إنه عندما خرج ولد زيد على الحكم الأموي بايعه الآلاف الكثيرة وإن كانوا قد تركوه ولم يثبتوا معه.. ثم توالت الثورات الشعبية العارمة واحدة بعد الأخرى، وأغلبها كان بدوافع دينية، وشعور مذهبي.. ويكفي أن نذكر أن من نتائج جهوده عليه السلام – بالإضافة إلى كل ما سبق -: أن هيأ الجو على النحو الاكمل والأفضل لمدرسة الإمامين بعده: الباقر والصادق صلوات الله عليهما وعلى آبائهما وأبنائهما الطاهرين. وأما عن أسلوب عمله وجهات جهاده ونضاله.. فإننا لا نستطيع في هذه العجالة.. أن نلم بكل جوانبها ومجالاتها، فضلاً عن دقائقها وتفصيلاتها ولذلك فنحن نكتفي بالإشارة إلى الأمرين التاليين: الأول: إنه بالإضافة إلى أنه كان يوجه الأمة من خلال سلوكه وتصرفاته ومواقفه.. فإنه كان أيضاً يوجه الأمة من خلال أدعيته، التي كان يضمنها مختلف المعارف الإسلامية: عقائدياً – وهو الاهم – وسياسياً وأخلاقياً وغير ذلك.. ولم يكن بإمكان أحد أن يعترض عليه ويقول له: لا تدع ربك.. فإن ذلك سوف يكون مستهجناً ومرفوضاً من كل أحد.. حيث يرونه – بحسب الظاهر – لا يتعرض لدنيا هؤلاء الحكام، وإنما شغل نفسه بعبادة ربه، وتصفية وتزكية نفسه.. ويظهر أن الحكام أنفسهم أيضاً قد اطمأنوا إلى أنه عليه السلام ليس في صدد التخطيط والعمل ضدهم، ولا يفكر في الخروج عليهم، فراق لهم انصرافه عن دنياهم. بل لقد أصبح له عندهم مكانة عظمة واحتراماً خاصاً لم يكن لأحد من أهل البيت قبله، ولا كان لأحد منهم بعده.. ولذلك تجد الثناء العاطر ينهال عليه من كل جانب ومكان من قبل من ترضى عنهم الهيئة الحاكمة، وتعتبرهم من أعوانها. ولقد فاتهم: أنه كان في الظاهر يدعو الله، ولكنه كان في واقع الأمر يدعو إلى الله، ويوجه نحوه، ويعرف الناس سبيله، ويضمن كلامه الكثير من التعاليم الألهية، والمعارف الدينية التي تهمهم في أمر دينهم ودنياهم.. كما اتضح ذلك جلياً فيما بعد. وأنه كان يقود عملية التغيير الشامل في بنية العقيدة للأم الإسلامية بأسرها. الثاني: اهتمامه عليه السلام المتميز بشراء الموالي وعتقهم، حتى ليقول البعض (16) " وعرف العبدان ذلك فباعوا أنفسهم له، واختاروه وتفتلوا من أيدي السادة ليقعوا في يده، وجعل الدولاب يسير، والزمن يمر، وزين العابدين يهب الحرية في كل عام، وكل شهر، وكل يوم، وعند كل هفوة، وكل خطأ، حتى صار في المدينة جيش من الموالي الأحرار، والجواري الحرائر، وكلهم في ولاء زين العابدين، قد بلغوا خمسين ألفاً أو يزيدون". ويقول أيضاً: ".. فهو يشتري العبيد لا لحاجة إليهم، ولكن ليعتقهم، وقالوا: إنه اعتق مئة ألف.." (17). ودعا (عليه السلام) مملوكه مرتين فلم يجبه وأجابه في الثالثة، فقال له: يا بني، أما سمعت صوتي؟ قال: بلى. قال: فما بالك لم تجبني؟ قال: امنتك. قال: الحمد لله الذي جعل مملوكي يأمنني (18). وكان عليه السلام لا يضرب مملوكاً، بل يكتب ذنبه عنده، حتى إذا كان آخر شهر رمضان جمعهم وقررهم بذنوبهم، وطلب منهم أن يستغفروا له الله كما غفر لهم، ثم يعتقهم، ويجيزهم بجوائز، وما استخدم خادماً فوق حول.. وقال السيد الأمين: ".. ولقد كان يشتري السودان وما به إليهم من حاجة يأتي بهم عرفات، فيسد بهم تلك الفرج، فإذا أفاض أمر بعتق رقابهم، وجوائز لهم من المال.. " (19). ونحن نلاحظ هنا الأمور التالية: أولاً: إنه يخاطب مماليكه بـ (يا بني)، وكان يهدف إلى إعطاء النظرة الصحيحة للإسلام تجاه المماليك، وأنه يعتبرهم بمنزلة الأخوة والأبناء.. وإن الإسلام الذي يفرض على الإمام السجاد عليه السلام أن يعامل مماليكه معاملة يأمنوه معها يختلف عن ذلك الإسلام الذي يدعيه الآخرون الذين يعتبرون الموالي أحقر وأذل من الحيوان. وثانياً: إن كتابة إساءاتهم، ثم محاسبتهم عليها، وعتقهم حينه إنما يهدف إلى تنبيههم إلى أخطائهم، وترسيخ ذلك في نفوسهم، ولاسيما حينما تطرح كقضية حاسمة في أسعد لحظات حياتهم: اللحظات التي ينالون فيها حريتهم، التي هي في الحقيقة هوية وجودهم.. فهم إذن قد نالوا أعز ما في الوجود من غير استحقاق.. وفي هذا ضغط نفسي من نوع معين، ليحاولوا الارتفاع بأنفسهم إلى درجة الاستحقاق والجدارة، ويبعث في نفوسهم روح العمل الجاد في سبيل التكامل في الفضائل الإنسانية، والالتزام بالتعاليم الأخلاقية الإسلامية. وثالثاً: إن ذلك يجعل له – بشكل طبيعي – مكانة خاصة في نفوسهم والنظر إليه نظرة خاصة فيها كل الاحترام والتقدير، واعتباره نوعية أخرى، تختلف عما يعرفون ويعهدون، وهذا يؤهلهم في المستقبل إلى الاستماع إلى تعاليمه، واحترام آرائه التي هي تعاليم وآراء الإسلام، ثم السير على منهاجه واتباع سلوكه.. ورابعاً: وأما إعطاؤهم المال في هذا الظرف بالذات.. فبالإضافة إلى أنهم يكونون عادة في أمس الحاجة إليه في هذا الظرف بالذات، حيث لا يملكون فيه من حطام الدنيا شيئاً.. ويمنعهم بذلك من اتباع الأساليب الملتوية من أجل الحصول علي لقمة العيش.. فبالإضافة إلى ذلك هو يؤكد على إنسانية تعاليم الإسلام، وإنه يعيش قضية الإنسان، ويتفاعل معها، ويهتم اهتماماً حقيقياً بحلها.. ولا يتاجر بآمال الناس وآلامهم وبكراماتهم كما هو شأن غيره ممن لم يعد أمرهم خافياً على أحد. وخامساً: لقد كان من نتيجة هذه السياسة التي لا نجدها بهذا الشمول والسعة لدى غيره من الأئمة حتى علي عليه السلام.. لقد كان من نتيجة ذلك أن صار الموالي يعتبرون أهل البيت عليهم السلام هم المثل الأعلى للإنسان وللإسلام، وكانوا مستعدين للوقوف إلى جانبهم في مختلف الظروف، ولا نعدم بعض الشواهد التي تظهر أن الموالي كانوا ينتصرون للعلويين إذا رأوهم تعرضوا لظلم أو لبغي من قبل السلطات. كما يظهر لمن راجع كتاب عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب لابن عنبة، وغيره.. وسادساً: وأخيراً: إن ذلك كان إدانة لمنطق الأمويين القائم على أساس تفضيل العربي وإعطائه كل الامتيازات، وحرمان غيره منها بكل صورة، واعتباره أذل وأحقر من الحيوان حتى كان يقال: لا يقطع الصلاة إلا كلب أو حمار أو مولى، ومنعوهم من الإرث كما في موطأ مالك، ومن العطاء ومن القضاء، ومن الولاية وإمامة الجماعة، ومن الوقوف في الصف الأول منها، واعتبر غير العربي ليس كفؤاً للعربية، وأباحوا استرقاقهم، ولا يسترق غيرهم.. إلى غير ذلك مما لا مجال لتتبعه واستقصائه. وإذا لاحظنا أن العرب قبل الإسلام لم يكن لهم شأن يذكر، ولا كان لهم حكم ولا سلطان، وإنما كان الحكام هم غيرهم.. فإن من الطبيعي أن ترضي هذه السياسة غرور العربي، الذي أصبح يرى نفسه حاكماً على ملك الأكاسرة وغيرهم، وذلك ربما كان يزيده عنفاً وغلواً في معاملته القاسية لغير العرب.. ومن الجهة الأخرى.. فإن من الطبيعي أن يحس غير العرب بالغبن وبالمظلومية وعدم حفظ حقوقهم.. فكان هذا سبباً لتعاطفهم مع الدعوة العباسية التي تسببت في الإطاحة بالعرش الأموي.. وعلى الأخص حينما رأى غير العرب أنه لم ينصفهم ويعاملهم معاملة عادلة وحسنة إلا علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ثم جاء السجاد (عليه السلام) وغيرهم من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ليعلن رفض الإسلام لمنطق الأمويين هذا القائم على أساس التمييز العنصري البغيض، وأن هذا لا يمثل رأي الإسلام الصحيح، ولا ينسجم مع منطلقاته في التعامل والتفضيل القائم على أساس العمل فقط: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} و: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}. فكان كل ذلك.. قد هيأ الأجواء لتعاطف غير العرب مع الدعوة ضد الأمويين، كما أنه في نفس الوقت قد خفف من غلوائهم وحقدهم.. ولهذا فإننا لا نجد تطرفاً كثيراً في معاملة غير العرب للعرب حينما حكموهم في الدولة العباسية في فترات متعددة.. وإن كان للظروف الخاصة الأخرى أثر كبير أيضاً في هذا المجال.. وهكذا.. فإن علي بن الحسين (قد قام بمهمة شاقة جداً وخطيرة جداً، مهمة بعث الإسلام في الأمة من جديد في حين أنه لم يكن يعترف بإمامته في وقت ما غير ثلاثة أشخاص وهيأ الظروف والأجواء وأعاد العلاقات والروابط والصلات بين أهل البيت (عليهم السلام) وبين الأمة رغم جهد الحكام المستمر والمستميت لقطعها، والقضاء عليها. نعم.. لقد قلب كل الموازين رأساً على عقب كما أوضحناه بأسلوبه الحكيم، والهادئ الرصين.. صلوات الله عليه وعل آبائه وأبنائه الطاهرين. ويلاحظ: أنه قد فعل كل ذلك ونجح فيه أعظم النجاح، بصورة متميزة وفريدة، قد خفيت على الحكم، وعلى كل أجهزته بصورة تامة ولعل ذلك هو ما يفسر لنا ما نجده مع اهتمامهم بإبراز عظمته عليه السلام، وسعة علمه وفضله حتى من قبل المتعاطفين مع الحكم والممالئين له، حتى ليقول يحيى بن سعيد والزهري: "ما رأيت قرشياً قط أفضل من علي بن الحسين" (20). الهوامش 1- تاريخ الطبري ج4 ص30 والكامل لابن الأثير ج3 ص313 والفتوح لابن الأعثم ج3 ص196 وصفين لنصر بن مزاحم ص354 وشرح النهج للمعتزلي ج8 ص36 وأنساب الأشراف بتحقيق المحمودي ج2 ص184 ونقله المحمودي عن تاريخ دمشق لابن عساكر ج38 رقم 1139 وترجمة الإمام علي لابن عساكر بتحقيق المحمودي ج3 ص99 والغدير ج10 ص122و290 عن بعض من تقدم.. 2- راجع: الحياة السياسية للإمام الرضا(ع) للمؤلف ص54. 3- راجع: كشف القناع عن حجية الإجماع ص67. 4- ضحى الإسلام ج1 ص386 وراجع: الصحيح من سيرة النبي(صلى الله عليه وآله) للمؤلف ج1 ص28. 5- جامع بيان العلم ج2 ص244وراجع: الصحيح من سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) للمؤلف ج1 ص28 حول مصادر أخرى. 6- جامع بيان العلم ج2 ص244/245. 7- الموطأ ( المطبوع مع تنوير الحوالك ) ج1 ص93 وجامع بيان العلم ج2 ص244. 8- شرح الموطأ للزرقاني ج1 ص221 وتنوير الحوالك ج1 ص93-94 عن الباجي. 9- الزهد والرقائق لابن المبارك ص61. 10- الصحيفة السجادية، دعاء رقم 48. 11- راجع: الصحيح من سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) : التمهيد. 12- كشف القناع عن حجية الإجماع ص66. 13- راجع المصدر السابق ص66-69. 14- راجع: الصحيح من سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) (التمهيد) والحياة السياسية للإمام الحسن(ع) الفصل الثاني كلاهما للمؤلف. 15- راجع: رجال الكشي ص123و115 وغيره. 16- زين العابدين ص47، لعبد العزيز سيد الأهل. 17- المصدر السابق ص7. 18- كشف الغمة ج2 ص299. 19- أعيان الشيعة ج4 ص468. 20- أنساب الأشراف بتحقيق المحمودي (ع) ج3 ص146و207 |