يرحب بكم موقع حسينية النبي الأكرم(ص) مدينة سيدني - استراليه
http://www.h-alnabi.com

 

الشيعة و التشيع

المرجع الديني الأعلی السيد محمد الحسيني الشيرازي

أعلی الله مقامه الشرف

كلمة الناشر ·

عرف الحوار قديماً قبل أن تطأ أقدام الإنسان هذه الأرض، حيث الملائكة في السماء حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم لا يفترون، وعند ما شاءت إرادة الله تعالى خلق الإنسان، وإذا بباب الحوار يفتح، وكما يرسمه هذا المشهد القرآني:

ـ [وإذ قال ربك للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة.

ـ قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟

ـ قال: إني أعلم ما لا تعلمون[( [1 ).

ويخلق الله آدم عليه السلام ويهبط إلى الأرض، وهو يحمل في داخله أفكاراً ومشاعر وحاجات، وشيئاً فشيئاً يزداد الأفراد وتكبر المجتمعات ويقف بعض أفرادها وجه لوجه يتقاتلوا ويتحاربوا من أجل تحقيق ذاتهم ومصالحهم.

وهنا نرى رحمة الله جل جلاله تتجلى حيث أرسل الرسل والأنبياء لهداية الإنسان وانتشاله من بحر الجهل والضلالة إلى حيث السعادة والنعيم، وإذا بهذا الإنسان يقف بوجه الأنبياء والرسل متمرداً ومن دون أن يحاورهم على بصيرة، بل يخلق أجواء صاخبة اتخذت أشكالاً متعددة، منها صم الآذان وعدم الاستماع ورمي الحجارة والسخرية وصد الآباء للأبناء ومن أشدها القتل والفتنة.

في مقابل ذلك نرى أسلوب الأنبياء والرسل: الكلمة الطيبة ومقابلة السيئة بالحسنة وتحمل الأذى إلى غير ذلك مما أثر في نفس ذلك الإنسان حيث انصاع مؤمناً، رافضاً لتلك الأساليب العنيفة.

وهكذا استمرت مسيرة الحوار إلى أن جاء الإسلام ومن خلال ما رسمه لنا القرآن الكريم من مشاهد للحوار جرت في سالف الأزمان، تراه يدعو الإنسان إلى التفكير والحوار الهادئ والهادف ومن خلال الرجوع إلى الفطرة ونبذ العنف في مناقشة القضايا التي تهمه.

ونحن نلحظ دوماً في الحوار هناك حق أحق أن يتبع، وذلك بعد إيضاح معالمه وإزالة الغبش عنه، وإعطاء الصورة الحية له من أجل الوصول إلى الحقيقة المنشودة.

إن للحوار آداباً يجب مراعاتها خلال المناقشة، رسمها لنا القرآن الكريم في آيات منه: كالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وإراءة الحجج والبراهين الواضحة، والإستماع ومن ثم اتباع أحسن الأقوال و...

ومن هذا المنطلق انبرى سماحة المرجع الديني الأعلى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (دام ظله) الموسوعي في علمه، والعالمي في فكره وتطلّعه، والإسلامي في طرحه … للتعريف بمذهب أهل البيت عليهم السلام حتى تعرف الدنيا نهجهم القويم ورسالة الإسلام السمحة وما تتضمن من سعادة الدنيا والآخرة.

فكان يكتب سماحته بأسلوب بسيط وشيق وتترجم كتاباته إلى عدة لغات عالمية، وتوزع في أكبر مؤتمر إسلامي ألا وهو موسم الحج الشريف.. وذلك قبل ثلث قرن أو أكثر، ويرى سماحته أن لو أجدنا استثمار هذا المؤتمر العالمي كما يجب لقضينا على كثير من مشاكل العالم الإسلامي ولعادت الأمة إلى سابق عهدها من العز والكرامة والتقدم.

فكتب سماحته اثني عشر كراساً خلال مواسم الحج الماضية( [2] )، وكانت كل واحدة منها تطبع ما بين 50 إلى 150 ألف نسخة وتوزّع مجانا، وهي: (اعرف الشيعة،، هكذا الشيعة، أفكار الشيعة، الشيعة والشريعة، قصة الشيعة، قضية الشيعة، مقالة الشيعة، من هم الشيعة، نظرة الشيعة، نهج الشيعة، هوية الشيعة وواقع الشيعة).

وكانت النتيجة إيجابية جداً، وكما هو متوقع لها ]وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ[ ( [3] )، وذلك من خلال الرسائل التي كانت تعقب موسم الحج استفساراً واستفهاماً عن مذهب أهل البيت عليهم السلام  وشيعتهم، حيث ساعدت تلك الكتابات في دحض الكثير من الفتن والشبهات التي كانت تنشر حول المذهب، وأدت إلى اعتناق الكثير لمذهب أهل البيت  عليهم السلام  بعد ما عرفوا الحقيقة كما هي.

ولقد تم طبع هذه الكراسات بعد ذلك طبعتين: في بيروت والكويت، تحت إشراف وتحقيق مركز الرسول الأعظم  صلی الله عليه و آله و سلم  ، وقد ارتأينا ـ عزيزي القارئ ـ جمعها في كتاب واحد بعد ما تم حذف المكرر منها وتبويبها تبويباً جديداً، وذلك تعميماً للفائدة، فأصبح هذا الكتاب الذي بين يديك: (الشيعة والتشيع)، نسأل الله عزوجل أن ينفع به كما نفع بسابقه، انه سميع مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

مؤسسة المجتبى للتحقيق والنشر

بيروت ـ لبنان  ص.ب: 6080 / 13 شوران

البريد الإلكتروني  almojtaba@shiacenter.com

 

 

المقدمة ·

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

لقد آن للمسلمين أن يتقارب بعضهم من بعض، وأن يضعوا عنهم إصرهم والأغلال الثقيلة والعصبيات التي طوقت رقابهم منذ زمن التفرقة والانحطاط.. ثم استغلها المستعمرون جرياً على قاعدتهم (فرِّق تسد)..

فالمسلمون بنعمة الله إخوة، والقرآن الكريم دعاهم إلى الألفة والإتحاد: قال سبحانه: )إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم(( [4] )، وقال تعالى: )إن هذه أمتكم أمة واحدة(( [5] ).

فصلاح المسلمين في الرجوع إلى نُظُم الإسلام وقوانينه وشرائعه.. فقد جرّبوا الحضارة الغربية وما تولد منها من حضارة شرقية، أكثر من قرن ، فلم يجدوا فيهما إلا البؤس والفقر والذلّ والانحطاط والتأخّر..

ألا تكفي هذه التجربة المريرة الطويلة ؟

إن الإسلام يوم كان قابضاً بالزمام وفّر للبلاد الخاضعة لحكمه السعادة والثروة والصحة والرفاه والحرية، ومن يوم ترك المسلمون الإسلام وعملوا بما استوردوه من أنظمة وقوانين لم يروا إلا الشقاء والعبودية..

لذا يجب علينا نحن المسلمين أن نرجع إلى الإسلام، ونستعيد كرامتنا ورفاهنا في شتّى ميادين الحياة:

إن من أعظم ما مني به المسلمون ـ ونفخ فيه الذين يتربصون بهم الدوائر ـ انشقاق المسلمين إلى فرق مختلفة متباغضة ومتناحرة، وشيوع روح اللاتفاهم بينهم.

فهلمّوا أيها المسلمون إلى لمِّ الشعث وتأليف الفُرقة.

فما زال رسول الله  صلی الله عليه و آله و سلم  يخطب فينا: (صلاح ذات البين خير من عامة الصلاة والصيام)( [6] ).

فإذا كان هذا شأن الإصلاح بين فردين، فكيف إذا كان بين طائفتين كبيرتين كل منهما يعتقد بالله واليوم الآخر ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويحجّ البيت ويصوم شهر رمضان..

وكل طائفة تكوّن نصف المسلمين تقريباً ولا يقل عددهم عن «مئات الملايين».

لقد أشار الرئيس المصري السابق (أنور السادات)( [7] ) في كلام له نقتله جريدة الأهرام القاهرية( [8] ) : (اكتشفت أن المسلمين ـ وأنا سكرتير المؤتمر الإسلامي ـ نصفهم تقريباً من الشيعة والنصف الآخر من السنة).

وما أحرانا اليوم بأن نلبي نداء القرآن الكريم ونبي الإسلام العظيم صلی الله عليه و آله و سلم بالتعاون ونعرف بعضنا بعضاً لردم هذه الجفوة التي ما زالت تقض مضاجع الأمة الإسلامية وتنخر في كيانها.. ولنتوصل إلى الحقيقة عبر الحوار الهادف والحكمة والموعظة الحسنة، كما قال تعالى: ]ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن[( [9] ).

وما أحسن أن يكون التعريف والتعارف في مختلف المناسبات التي تجمعنا، كبيت الله الحرام ومهبط الوحي ومهجر الرسول الأعظم  صلی الله عليه و آله و سلم ، فإن موسم الحج فرصة متاحة لتعارف المسلمين وإنقاذهم من سوء الظن ببعضهم ووسوسة الشكوك فيما بينهم..

قال تعالى: )واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا(( [10] ).

وقال عزّ شأنه ـ في أمر الحج ـ )ليشهدوا منافع لهم(( [11] ).

وأي منفعة أعظم من منفعة التعارف والتآلف، خصوصاً في عصرٍ تكالبت فيه قوى الإلحاد والصهيونية والصليبية.. لنسف قواعد الإسلام وإبادة المسلمين.

إن علماء الإسلام الأعلام ومفكري الأمة قد تنبهوا إلى هذا الخطر وشعروا بهذه الحقيقة، فانبروا لإقامة المؤتمرات الإسلامية وعقد اللقاءات الثقافية المتواصلة لإزالة الصدع ولمِّ الشعث، وسعوا في التقريب بين المسلمين، ولا أدلّ على ذلك من جهود زعيمي المسلمين:

1: (الإمام البروجردي) زعيم الحوزة العلمية في قم المقدسة.

2: (الشيخ الأكبر شلتوت) شيخ الجامع الأزهر في مصر.

لتأسيس (دار التقريب) في القاهرة..

كما أفتى الشيخ محمود شلتوت على أن التعبّد بالمذهب الشيعي، مثل التعبّد بسائر المذاهب الإسلامية في جواز العمل وصحة الأخذ به ( [12] ).

وهذا الكتاب محاولة متواضعة لإلقاء الضوء على «الشيعة والتشيع» ليطلع عليه الذين يجهلون حقيقتهم، إما جهلاً طبيعياً أو بسبب حملات التشويه المقصودة من أناس أقل ما يقال فيهم إنهم لا يتقون الله ولا يحسبون للتاريخ حسابه..

فإن الكثيرين من أبناء الطائفة الإسلامية السنية، لا يعرفون إلا القليل عن الطائفة الإسلامية الشيعية.

وها نحن أداءً لهذا الواجب الملقى على عاتقنا قمنا بوضع هذه الكراسات لتنوير الرأي العام الإسلامي حول (الشيعة) ولكي تلقي الضوء على بعض ما أخفته الظروف من أحوالهم، مما انتهزها المستعمرون لإلقاء الفتن والخلاف بينهم وبين السنَّة، والله المسؤول أن يجمع كلمة المسلمين على التقوى، ويهدي الجميع سواء السبيل.

ومما يحفزنا على ذلك أن أيام العصبيات قد ولّت إلى غير رجعة، وأن اليوم يوم اتحاد وائتلاف. وقد اهتم الإسلام بهذه الناحية أكبر اهتمام حيث قال تعالى: )واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألَّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً(( [13] ).

وقال سبحانه: )ولا تكونوا كالذين تفرَّقوا(( [14] ) .

والمسلمون يوم كانوا سادة العالم كانوا بحاجة إلى التآلف، فكيف بهم اليوم الذي وقد أحاط بهم الأعداء من الخارج وفرّقوا صفوفهم من الداخل؟

فلنقترب نحن المسلمون بعضنا من بعض، ولنتمسك بما أمر الله ورسوله صلى الله عليه و آله و سلم به، تاركين حملات التشويه التي لا تخدم إلاّ الكفار والمستعمرين.

وبحمد الله تعالى قد لاحت في الأفق ـ منذ سنوات ـ بوادر الوحدة الإسلامية، وتقاربت الفئات الإسلامية عبر الحوار الهادف واحترام الآخر..

ولكن الطريق لازال شاقاً وطويلاً، فالواجب على المسلمين الواعين أن يكرّسوا أنفسهم لمتابعة السير، وذلك بـ:

الف: تعميم الثقافة الدينية الموحدة التي تنبع من القرآن الحكيم والسنة
المطهرة.

ب: تعميم الثقافة الدنيوية من علوم الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا والطب وغيرها، ليتمكن المسلمون من النهضة أمام القوى العالمية، نهضة تنفض عنهم غبار التخلّف، وتلحقهم بركب الحضارة التي تمكنهم من استعادة مركزهم في قيادة العالم إلى خير الدنيا وسعادة الآخرة.

فلنأت لنصحّح (الإيمان) ونقوّي (الفضيلة) ونضاعف (العمل الصالح) لنحظى ـ في أثر ذلك ـ بمنافع الآخرة.

لقد ذقنا ألف مرارة ومرارة، من جرّاء ترك العمل بالإسلام، ولا يخفى على أحد ما نحن فيه الآن من المآسي والويلات.. كما لا يخفى على أيّ مسلم طريق النجاة وسبيل العلاج أعني الرجوع إلى الإسلام، كما أنزله الله في كتابه الكريم وبيّنه الرسول صلی الله عليه و آله و سلم  وأهل بيته الطاهرون  عليهم السلام .

فلنعالج أوضاعنا الفردية والاجتماعية على ضوء (كتاب الله وعترة رسوله) حسب ما أودعها الرسول  صلی الله عليه و آله و سلم  في الأمة حيث قال: (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا) ( [15] ).

ومن أهم الأمور بادئ ذي بدء، أن نوحّد صفوفنا ويتعرف بعضنا على بعض، كما قال سبحانه: )وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا(( [16] ) ثم بعد ذلك نسير إلى الأمام ونعيد مجد الإسلام من جديد.

والمسؤول من الله سبحانه أن يوحّد كلمة المسلمين، ويعيد إلى الإسلام مجده، وأن يوفّقنا جميعاً لما يحبّ ويرضى، إنه وليّ ذلك وهو المستعان.

 

 كربلاء المقدسة / الكويت ( [17] )

محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي


 

فصل ·

الشيعة في سطور


 * (الشيعة) هم المسلمون الذين شايعوا علياً أمير المؤمنين وأولاده الطاهرين عليهم السلام .

 * وهم أكثر من خمسمائة مليون إنسان، منتشرون في جميع البلاد الإسلامية ويشكّلون أقلّيات مختلفة العدد في سائر بلاد العالم.. وقد تزايدوا يوماً بعد يوم وخاصة مع تبلور الأفكار الإسلامية وفتح باب الحوار ونبذ التعصب
الأعمى.

 * وهم يعتقدون بالله ربّاً، وبمحمد  نبيا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن كتابا، وبالكعبة قبلة، وبسؤال منكر ونكير في القبر، وبالحساب يوم القيامة، وبالجنة والنار، وبسائر ما جاء به الرسول صلى الله عليه و آله و سلم من عند ربه.

 * كما إنهم يقيمون الصلاة، ويؤتون الخمس والزكاة، ويصومون شهر رمضان، ويحجون البيت الحرام، ويوجبون الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الإسلام، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويوالون أولياء الله، ويعادون أعداء الله.

 * ولهم القدح المعلى في الخيرات والمبرات، والمواظبة على المندوبات والمستحبات، والالتزام بالفضائل، والاجتناب عن المحرمات والرذائل.

 * وهم يرون أن الإسلام دين كامل نزل من عند الله لسعادة البشر، فكل ما في الإسلام يجب تطبيقه في مختلف مجالات الحياة، وأنه لا سعادة للبشر إلا بتطبيق قوانين الإسلام، والاستغناء عن قوانين الشرق والغرب، قال تعالى: ]ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين[( [18] )، وفي الحديث الشريف: (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة)( [19] ).

 * وهم يرون وجوب توحيد المسلمين تحت لواء واحد، كما أمر الله سبحانه: ]واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا[( [20] )، وقال عزوجل: ]ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم[( [21] ).

 * كما يرون لزوم حل هذه الخلافات التي سببت الفرقة بين المسلمين على ضوء الكتاب والسنة الصحيحة، بعيداً عن الفوارق المختلفة والعصبيات الممقوتة والأحزاب والتكتلات غير الصحيحة بأي اسم كانت وبأي لون.

 * وهم يرون أن كل قانون يخالف الإسلام حرام باطل لا يجوز العمل به، كما قال سبحانه: ]ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون[( [22] ).

 * وقد أفتى كبار علماء السنَّة بجواز الأخذ بالمذهب الشيعي [23] ، ومنهم (الشيخ محمود شلتوت) شيخ الجامع الأزهر الأسبق وغيره.

 * وتمتاز الشيعة بالقول بفتح باب الاجتهاد، والتركيز على العقل في الشريعة، مضافاً إلى الكتاب والسنة والإجماع.

 * ولهم تاريخ مشرق، منذ فجر الرسالة، إلى هذا اليوم، وكان العنصر الشيعي أنشط العناصر في تأسيس الفكر الإسلامي وبناء الحضارة الإسلامية.

      * وعندهم من المؤلفات والمصنفات [24] ما لا يدخل تحت العدّ والإحصاء.

 * ولهم من المدارس والمعاهد والمكتبات والعلماء والخطباء بكثرة هائلة، في البلاد الإسلامية وغير الإسلامية.

      * وقد قامت لهم دول في مختلف البلاد [25] .

 * وقد بيضوا صفحات التاريخ بجهادهم الطويل ضد الكفار والصليبيين والملحدين والصهاينة والمستعمرين.

      * وكانت بينهم وبين إخوانهم السنة ـ على طول الخط ـ أُخوّة وصداقة وتبادل وتآلف.

 * ويتواجدون اليوم في أكثر بلاد العالم بل في جميعها، ومراكز تكاثفهم هي العراق، وإيران، وبلاد الخليج، والباكستان، والهند، وأفغانستان، ولبنان، وإندونيسيا.

 * ولهم في الحال الحاضر مراكز علمية ومعاهد ثقافية وعلماء بارعين في كل من (النجف الأشرف) و(كربلاء المقدسة) و(بغداد) و(الكاظمية) و(سامراء) و(بيروت) و(القاهرة) و(قم المقدسة) و(خراسان) و(طهران) و(كراتشي) و(بمبئي) و(جاكرتا) و(الكويت) و(قطر) و(الاحساء) و(القطيف) و(أفغانستان) و(دمشق) و(ليبيا) و(تونس) و(الجزائر) و(الأردن) و(بلاد إفريقيا) و(أوروبا) و(أمريكا) وغيرها.. [26] .

بين الشيعة و السنة ·

 ينقسم المسلمون في العالم إلى شيعة هم أكثر من خمسمائة مليون، وسنة هم بقية المسلمين، ولا فرق بين الطائفتين في الأصول الثلاثة التي هي:

1: التوحيد

2: النبوة

3: المعاد.

فكل المسلمين يعتقدون بأن للكون إلهاً واحداً، أزلياً أبدياً، عالماً قادراً، حيّاً قيّوماً، ليس له شريك، وله كل الصفات الحسنة.

كما أن كل المسلمين يعتقدون بأن الله أرسل إلى البشر أنبياء هداة مهديين، لإرشادهم إلى الحق وإلى سعادة الدنيا والآخرة، وبأن محمد بن عبد الله  صلی الله عليه و آله و سلم  ، هو خاتم الأنبياء لا نبي بعده.

وكذلك كل المسلمين يعتقدون أن الإنسان إذا مات يفنى جسده وتبقى روحه، ثم يحيى في يوم القيامة، فمن كان محسناً في الدنيا كان من أهل الجنة والنعيم، ومن كان مسيئاً في الدنيا كان من أهل العقاب والجحيم.

اما العدل فالشيعة تعتقد: أن الله سبحانه وتعالى عادل وأنه لا يظلم أحداً ولايفعل عبثاً.

وأما الإمامة فترى الشيعة أيضاً: أن نبي الإسلام محمدا  صلی الله عليه و آله و سلم  عيّن من بعده اثني عشر خليفة، وقال: (الخلفاء بعدي اثنا عشر)( [27] ).

وقال  صلی الله عليه و آله و سلم : (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهلية)( [28] ).

وهؤلاء الخلفاء سمّاهم الرسول  صلی الله عليه و آله و سلم   بأسمائهم( [29] )، وهم بالتسلسل:

1: الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب  عليه السلام .

2: الإمام المجتبى الحسن بن علي  عليه السلام .

3: الإمام الشهيد الحسين بن علي  عليه السلام .

4: الإمام السجاد علي بن الحسين  عليه السلام .

5: الإمام الباقر محمد بن علي  عليه السلام .

6: الإمام الصادق جعفر بن محمد  عليه السلام .

7: الإمام الكاظم موسى بن جعفر  عليه السلام .

8: الإمام الرضا علي بن موسى  عليه السلام .

9: الإمام الجواد محمد بن علي  عليه السلام .

10: الإمام الهادي علي بن محمد  عليه السلام .

11: الإمام العسكري الحسن بن علي  عليه السلام .

12: الإمام المنتظر المهدي بن الحسن  عليه السلام .

والخليفة الأخير من هؤلاء الأطهار هو الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه) حيّ في دار الدنيا، غائب عن الأنظار، وسيظهر في آخر الزمان عندما يأذن الله له، ليملأها قسطاً وعدلاً، بعد ما مُلِئَتْ ظلماً وجوراً، وتتوحّد العباد والبلاد تحت لوائه في حكومة إسلامية واحدة مزدهرة بإذن الله تعالى، وقد ورد النص عليه متواتراً من النبي صلی الله عليه و آله و سلم ( [30] ) .

والشيعة قد أقاموا الأدلة والبراهين على هذين الأصلين (العدل والإمامة) من العقل والنقل.

أما فروع الإسلام أعني العبادات والمعاملات وسائر القوانين والأحكام، فقد قال المسلمون الشيعة إن مصدرها أربعة:

أ: القرآن الحكيم، وهو هذا الكتاب الذي بين يدي المسلمين لم يزد فيه ولم ينقص منه شيء.

ب: السنة المطهرة الواردة عن النبي  صلی الله عليه و آله و سلم  وآله الطاهرين  عليه السلام .

ج: إجماع المسلمين.

د: العقل.

وقالوا إن باب الاجتهاد مفتوح، فمن استنبط ـ بشرائطه ـ من هذه المصادر الأربعة حكماً من الأحكام الشرعية فله أن يعمل به.


 

فصل ·

التعريف بالشيعة

 

من هم الشيعة؟ 

الشيعة: مأخوذة من (المشايعة) بمعنى المتابعة، وأطلقت كلمة «الشيعة» في القرآن على أتباع نوح عليه السلام  حيث قال تعالى: )وإن من شيعته لإبراهيم(( [31] ).

وأطلقها النبي صلى الله عليه و آله و سلم على أتباع الإمام علي  عليه السلام  وسماهم بهذا الإسم، كما رواه المؤرخون والمحدثون شيعة وسنة في كتبهم، أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: «يا علي أنت وشيعتك الفائزون»( [32] ).

فكان أتباع الإمام علي  عليه السلام يعرفون بهذا الاسم منذ أيام رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، فالرسول صلی الله عليه و آله و سلم هو أول من أطلق عليهم هذا الاسم عليهم.

وحيث أن كلام الرسول صلی الله عليه و آله و سلم وحي من الله تعالى إذ قال سبحانه في القرآن الحكيم: )وما ينطق عن الهوى& إن هو إلا وحي يوحى(( [33] ) فتسمية الشيعة بهذا الاسم إنما هو وحي من الله تعالى.

و(الشيعة) هم المسلمون الذين شايعوا واتبعوا الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وأولاده الطاهرين عليهم السلام  بعد رسول الله  صلی الله عليه و آله و سلم ، إتباعاً للرسول الأكرم  صلی الله عليه و آله و سلم  حيث قال قبل وفاته: «إني يوشك أن أدعى فأجيب، وإني تاركٌ فيكم الثقلين، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا من بعدي أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيتي»( [34] ).

وقال صلی الله عليه و آله و سلم  : «علي مع الحق والحق مع علي»( [35] ).

و قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: (ستكون من بعدي فتنة, فإذا كان ذلك فالزموا عليّ بن أبي طالب, فإنّه أوّل من يراني و أول من يصافحني يوم القيامة و هو معي في السماء الأعلى و هو الفاروق بين الحق و الباطل) [36].

وقال صلی الله عليه و آله و سلم: (سيكون بعدي فتنة، فإذا كان ذلك فالزموا عليّ بن أبي طالب فإنه الفاروق بين الحق والباطل) [37].

وقال  صلی الله عليه و آله و سلم: (تكون بين الناس فرقة واختلاف فيكون هذا ـ يعني عليّاً عليه السلام ـ وأصحابه على الحق) [38].

وتسمى الشيعة بـ (الإمامية) أيضا، لأنهم يعتقدون بإمامة علي أمير المؤمنين وأولاده الأحد عشر عليهم السلام .

وتسمى بـ (الجعفرية) لاتباعهم في الحلال والحرام أئمة أهل البيت عليهم السلام ، حيث إنهم عليهم السلام  أعلم بكتاب الله، وأدرى بما قاله رسول الله صلی الله عليه و آله و سلم.. وسادسهم الإمام جعفر بن محمد الصادق  عليه السلام  وقد تمكّن من نشر العلوم الإسلامية أصولاً وفروعاً وآداباً وأخلاقاً باستيعاب وشمول أكثر، بما لم تسمح الظروف لسائر الأئمة  عليهم السلام  بهذا القدر من النشر، والشيعة أخذوا منه عليه السلام أكثر معالم الدين ولذا نسبوا إليه، وأما سائر الأئمة  عليه السلام  فلم تتاح لهم الفرصة بذلك المقدار، فكانوا يلاقون من الاضطراب كما في زمان أمير المؤمنين علي والحسن والحسين  عليهم السلام  أو الكبت والإرهاب من أيدي الخلفاء الأمويين والعباسيين، لكن الإمام الصادق  عليه السلام  عاصر فترة أفول دولة بني أمية وظهور دولة بني العباس حيث اغتنم الفرصة لنشر حقائق الإسلام بصورة واسعة.

كما تسمى الشيعة بـ (الإثني عشرية) لأنهم يعتقدون بإمامة الأئمة الإثني عشر عليهم السلام  ، وقد قال رسول الله صلی الله عليه و آله و سلم: (الخلفاء بعدي اثنا عشر)( [39] ).

فالطائفة الشيعية: صيغة عملية للإسلام، كما طرحه النبي صلی الله عليه و آله و سلم وأهل بيته الطاهرون  عليهم السلام ، وبقية الطوائف الإسلامية صيغ عملية للإسلام كما طرحها أئمتها.


 

فصل ·

الإسلام في نظر الشيعة

 

الإسلام ـ في نظر الطائفة الشيعية ـ :

«عقيدة»

و«شريعة»

و«نظام»:

 1. عقيدة الشيعة ·

 تعتقد الشيعة بالله ربّاً عادلاً لا شريك له .

وبمحمدٍ  صلی الله عليه و آله و سلم   نبياً.

وبالإسلام ديناً.

وبالقرآن كتاباً.

وبالكعبة قبلةً.

وأنّ ما جاء به محمد  صلی الله عليه و آله و سلم   من عند ربه حقّ.

وأن الله يبعث من في القبور.

وأن الجنة والنار حق.

وأن الإنسان مخيّر في الحياة (بدون جبر ولا تفويض) فإن أحسن فله الثواب وإن أساء فعليه العقاب.

وتعتقد الشيعة أن الإسلام كامل غير منقوص، كما أنزله الله وبلّغ عنه رسوله الأمين  صلى الله عليه و آله و سلم وخلفاؤه الطاهرين  عليهم السلام .

وهو الدين الوحيد الذي يجب الالتزام به عقيدةً وعملاً، وأن أي انحرافٍ عنه يوجب بلاء الدنيا وعناء الآخرة، وأن الالتزام به يوجب سيادة الدنيا وسعادة
الآخرة.

وهو دين كامل يقيّم الإنسان ككل، فيعني بتربية الروح كما يعنى بتربية الجسد، ويهتم بالقيم كما يهتم بالنظم.

وأصول الدين ـ عند الشيعة ـ خمسة:

1: التوحيد

2: العدل

3: النبوة

4: الإمامة

5: المعاد.

والتوحيد: هو أن الله واحد لا شريك له ولا نظير، كما قال تعالى: ]قل هو الله أحد* الله الصمد  *لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفواً أحد[( [40] ).

والعدل: هو أن الله عادل، لا يظلم ولا يقرّ الظلم.

والنبوة: هي أن الله بلطفه أرسل أنبياء إلى الناس لإيضاح سبيل الخير والشر وتوجيه الناس إلى الخير ومنعهم من الشر.

والإمامة: هي أن رسول الله  صلی الله عليه و آله و سلم  نصب ـ بأمر من الله ـ من بعده خلفاءه الاثني عشر، وعيّنهم( [41] ) واحداً بعد واحد، ونص عليهم بالاسم واللقب وأسماء الآباء والأمهات، كما عين كل إمام الإمام الذي بعده، فيجب اتباعهم وأخذ معالم الدين عنهم، وقد سبق أسماؤهم الشريفة( [42] ).

والمعاد: هو أن الله تعالى يعيد الخلق يوم القيامة ليثيب المحسن ويعاقب المسيء ]فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره& ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره[( [43] ).

وتفصيل هذه الأصول الخمسة مذكورة في كتب وموسوعات شيعية، مثل كتاب:

(شرح التجريد) ( [44] ).

و (عبقات الأنوار) ( [45] ).

و (الغدير) ( [46] ).

و (الفصول المهمة) ( [47] ).

و (المراجعات) ( [48] ).

وغيرها من ألوف الكتب التي كتبها علماء الشيعة بهذا الصدد.

2: الشريعة عند الشيعة ·

 الشريعة عند الشيعة، هي:

ألف: العبادات، وهي الأعمال التي يُتقرّب بها إلى الله، ومنها: الصلاة، والصوم، والخمس، والزكاة، والحج، والجهاد، والطهارة، والاعتكاف، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر..

ب: المعاملات، كالبيع والإجارة والوقف والرهن و..

ج: الأخلاق، وهي:

الفضائل التي ندب إليها الإسلام وجوباً أو استحباباً، مثل: الصدق، والأمانة، والشجاعة، والمروءة، والنشاط، وأمثالها..

والرذائل تقابل الفضائل، وهي التي نفّر عنها الإسلام حرمة أو كراهة، مثل: الخيانة، والكذب، والجبن، والخمول، والإفساد، وغيرها..

د: الآداب، وهي الأعمال التي اعتبرها الإسلام أدباً، كآداب النوم، وآداب اليقظة، وآداب الزواج، وآداب المجلس، وآداب السفر، وغيرها..

هـ: الأحكام وهي مشتملة على الواجبات والمحرمات والمستحبات والمكروهات والمباحات، كما تنقسم إلى التكليفية والوضعية، مثل أحكام الزواج والطلاق والمواريث والقضاء والحدود والديات.

الأحكام الخمسة ·

 والأحكام خمسة أنواع، هي:

1: الواجب.

2: الحرام.

3: المستحب.

4: المكروه.

5: المباح.

فالواجبات: هي الأمور التي فرضها الإسلام، مثل الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، والجهاد.

والمحرّمات: هي الأمور التي منعها الإسلام، مثل شرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، ولعب القمار، وتعاطي الربا، وارتكاب الزنا.

والمستحبات: هي الأمور التي ندب إليها الإسلام مع جواز الترك، مثل النوافل اليومية، والصدقة المستحبة، وقضاء حوائج الناس.

والمكروهات: هي الأمور التي كرهها الإسلام مع عدم المنع عن النقيض، مثل الطلاق.

والمباحات: هي الأمور التي يتساوى فعلها وتركها في نظر الإسلام، كشرب الماء.

مصادر الشريعة ·

 وتعتقد الشيعة بأن مصادر التشريع التي يجب أخذ الأحكام الشرعية عنها أربعة، هي:

1: القرآن الحكيم.

2: السنة المطهرة، وهي قول رسول الله  صلی الله عليه و آله و سلم   وفعله وتقريره، وكذلك قول أهل بيته المعصومين  عليهم السلام  وفعلهم وتقريرهم.

3: الإجماع( [49] ).

4: العقل، حيث ورد: (إن لله حجتين: حجة ظاهرة هم الأنبياء، وحجة باطنة هي العقل)( [50] ).

فتأخذ الشيعة تشريعها من القرآن الكريم وروايات الرسول  صلی الله عليه و آله و سلم  وأهل بيته الطاهرين  عليه السلام  عملا بحديث الثقلين( [51] ).

وتعتبر أن هذه الأربعة مصادر التشريع الإسلامي، ولا يجوز لأي فرد أو جماعة أن يشرّع قانوناً يخالفها، فأيّ تشريع آخر يكون باطلاً، قال تعالى:)ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون(( [52] ).

وقد ورد عن الرسول الأعظم  صلی الله عليه و آله و سلم  وآل بيته الأطهار  عليه السلام  من التفسير والفقه والحديث، وأحوال المبدأ والمعاد، والأصول والفروع، وسائر أبواب العلم مالا يحصى كثرة من الأحاديث، حتى إن العلامة المجلسيرحمه الله جمع جملة منها في أكثر من مائة مجلّد وأسماه (بحار الأنوار).. وفي هذه الأحاديث غنىً وكفاية لإسعاد المسلمين بل البشر أجمع في الدنيا والآخرة.

الحكم في الإسلام  ·

وتعتقد الشيعة بأن للحكم في نظر الإسلام جانبان:

1: جانب ثابت فيما يتعلق بـ (الحاكم) و بـ (القانون).

فيجب أن يكون الحاكم (رجلاً) (مؤمناً) (طاهر المولد) (فقيهاً) ـ بالمعنى المصطلح لكلمة الفقيه ـ (قادراً على إدارة الشؤون المنوطة به).

كما يجب أن يكون القانون (مستنبَطاً) ـ بالمعنى المصطلح لكلمة الاستنباط ـ من مصادر الشريعة الأربعة.

2: وجانب متطور فيما يتعلق بطريقة تنفيذ الأحكام الشرعية.

وهذا الجانب خاضع للاجتهاد، وللفقهاء المراجع إبداء رأيهم في ذلك حسب الموازين المقررة الشرعية.

القوة الإسلامية ·

كما تعتقد الشيعة: بأن الجهاد واجب كفائي، والدفاع واجب عيني، فتجب على الدولة الإسلامية تعبئة العدد الكافي من المسلمين ـ بالطرق المذكورة في
الفقه الإسلامي ـ حتى تكون لهم أمنع قوة تستطيع حمايتهم وحماية مصالحهم أينما كانوا.

وليست القوة التي يجب توفيرها هي القوة العسكرية فحسب، وإنما هي القوة العلمية والاقتصادية والصناعية وغيرها، ليتحقق الحديث الشريف: (الإسلام يعلو
ولا يُعلى عليه)
( [53] ).

مصادر الثروة العامة ·

وتعتقد الشيعة بأن مصادر الثروة العامة هي: (الخمس) و (الزكاة) و (الجزية) و (الخراج) و (المقاسمة) و (التجارة) وما إليها.

وتصرف في تأمين (المصالح العامة) وسدّ (العجز الفردي) حتى لا يكون في ظل حكم الإسلام مصلحة عامة معطلة ولا فقير يعاني نقصاً في حاجاته الضرورية.

وتعتقد بأن الإسلام يقرّ (الملكية الفردية) بشرط أن يكتسب المال من الحلال، وأن يدفع المالك حق الله عليه، فلا يجوز الاستيلاء على أموال الناس تحت أي شعار كان.

وفي نفس الوقت يصون الإسلام حق العامل والفلاح إلى جانب حق صاحب العمل وصاحب الأرض، حتى لا يكون تضخم أو إقطاع، ولا تكون سخرة أو اضطهاد.

الحرية الإسلامية  ·

وتعتقد الشيعة بأن الحرية من الأهداف الأساسية للإسلام، فقد بعث الله نبيه الكريم صلى الله عليه و آله و سلم لـ )يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم(( [54] ).

فللمسلم الحرية الكاملة في (إبداء رأيه لساناً وقلماً).

كما له الحرية الكاملة في (معاملاته) و (أسفاره) و (زواجه) و (تجارته).

كما أن للمرأة الحرية المتكافئة مع تركيبتها الجسدية والنفسية حسب ما قرره الشرع، حيث قال تعالى:  )ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف(( [55] ) .

وهذه الحرية الواسعة التي منحها الإسلام لشعوبه، هيّأ المناخ النفسي والعملي لنجاح جهوده الرامية إلى تنمية المجتمع الإسلامي وازدهاره.

فأولاً: كافح عوامل التخلف الأربعة، وهي:

1: الجهل، فقد عمل على تعميم الثقافة بجعل التعليم إجبارياً في مرحلة التفقه في الدين، كما في الحديث: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)( [56] ).. وبتشجيع التوسع في العلوم المختلفة، ففي الحديث: (لو علم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بخوض اللجج وبسفك المهج)( [57] ) .

وفي الحديث: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم)( [58] )، إلى غيرها من الروايات الكثيرة.

2: الفقر، حيث منع من البطالة وشجّع القادرين على العمل، وألزم الدولة بكفالة العاجزين عن العمل.

3: المرض، حيث قرر في صلب الشريعة أحكاماً للوقاية من كثير من الأمراض، والعلاج لكثير من الأمراض، بالإضافة إلى أنه عمل على تعميم الطب، ففي الحديث: (العلم علمان: علم الأديان، وعلم الأبدان)( [59] ) .

4: الرذيلة، حيث أسّس المجتمع بشكل لا يضطرّ فيه أحد إلى اقتراف الرذيلة، وجعل العقوبات الرادعة لمرتكبيها مع توفر الشروط المقررة.

وثانياً: عمل على إشاعة الاستقرار والسلام، حتى يتهيّأ الجو لازدهار الصناعة والتجارة والزراعة والعمارة و...

كما أن الإسلام أطلق كل الطاقات لتساهم في تشجيع التنمية:

فأطلق الطاقة البشرية، حيث سهّل الزواج ومنع الزنا.

وأرسى دعائم الأسرة، وشجّع تكثير النسل، لتكون الأمة الإسلامية أضخم أمة كما هي أقوى أمة.

وأطلق طاقات الأرض والماء، فـ (الأرض لله ولمن عمرها)( [60] )، والماء لمن سبق إلى حيازته واستهلاكه، وفي وسع كل مسلم أن يعمر أو يزرع ما استطاع من الأرض.

وأطلق طاقة العمل، إذ لا حدود بين البلاد الإسلامية، فكل الرقعة الإسلامية من الأرض مجال فسيح لكل المسلمين، ومن حق أي مسلم أن يسافر ويعمل ويسكن أينما شاء منها.

والمسلمون كلهم أخوة في الله.

فلا طائفية ولا إقليمية ولا قبلية ولا قومية ولا عنصرية في الإسلام.

هذه هي الخطوط العامة لأفكار الشيعة في مختلف المجالات، وهذه هي الأسس التي ارتفع عليها كيان المسلمين يوم ارتفع شامخاً يناطح السحاب، وواسعاً لا يجتازه السحاب..

3: النظام الإسلامي عند الشيعة ·

تعتقد الشيعة بأن النظام هو الأحكام التي تقنّن حياة الإنسان من قبل الولادة إلى ما بعد الوفاة، وتنظم المجتمع، وتسعى لعمارة الأرض، وتقدم الحياة، وتوجب إسعاد الإنسان في الدنيا والآخرة، مثل أحكام البيع، والإجارة، والتجارة، والسياسة، والاقتصاد، والجيش، والدولة، والزراعة، والعمارة، والرهن، والسفر، والإقامة، والأمن، والنكاح، والطلاق، والقضاء، والشهادات، والديات، والمواريث، وغيرها..

وللتدليل على شمولية الإسلام، وتلبيته لكل حاجات الإنسان والمجتمع، نقتطف بعض نصوص القرآن والسنة التي تضع الخطوط العريضة للفكر الإسلامي في كل مجالات الحياة، ولنقتصر على المجالات التالية:

1: العقيدة

قال تعالى في القرآن الحكيم: ]قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم[( [61] ).

2: العبادة

قال سبحانه في القرآن الحكيم: ]وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون[( [62] ).

3: الثقافة

قال تعالى في القرآن الحكيم: ]هل يستوي الذين يعلمون، والذين لايعلمون[( [63] ).

وفي الحديث الشريف: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)( [64] ) .

4: المساواة، فلا تفرقة عنصرية

قال سبحانه في القرآن الحكيم: ]إن أكرمكم عند الله أتقاكم[( [65] ).

وفي الحديث: (الناس سواسية كأسنان المشط)( [66] ) .

5: السلام

قال تعالى في القرآن الحكيم: ]يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السّلم كافّة[( [67] ).

6: الكرامة

قال سبحانه في القرآن الحكيم: ]ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البرّ والبحر ورزقناهم من الطيّبات[( [68] ) .

7: التجارة

قال تعالى في القرآن الحكيم: ]يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم[( [69] ) .

8: السياسة

قال سبحانه في القرآن الحكيم: ]وأمرهم شورى بينهم[( [70] ).

وفي الحديث: (جعلكم... ساسة العباد)( [71] ) .

9: الجيش والقوة

قال تعالى في القرآن الحكيم: ]وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة[( [72] ) .

10: غزو الفضاء

قال سبحانه في القرآن الحكيم: ]يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لاتنفذون إلا بسلطان[( [73] ).

وفي الحديث: (لو كان العلم في الثريا لناله رجال)( [74] ).

وفي حديث آخر: (إني أعلم بطرق السماء من طرق الأرض)( [75] ).

11: المحبة

قال تعالى في القرآن الحكيم: ]وجعل بينكم مودّة ورحمة[( [76] ) .

12: الحرية

قال سبحانه في القرآن الحكيم في وصف النبي  صلی الله عليه و آله و سلم : ]ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم[( [77] ).

وفي الحديث: (لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرّاً)( [78] ) .

وفي القاعدة الإسلامية: (الناس مسلّطون على أموالهم وأنفسهم)( [79] ) .

13: استئصال الجريمة

قال تعالى في القرآن الحكيم: ]ولا تعتدوا[( [80] ).

وقال سبحانه:]فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم[( [81] ) .

وقال تعالى: ]إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم[( [82] ).

14: النظافة

قال سبحانه في القرآن الحكيم: ]إن الله يحبّ التوابين ويحبّ المتطهّرين[( [83] ).

وفي الحديث: (النظافة من الإيمان)( [84] ) .

15: الجمال

قال تعالى في القرآن الحكيم: ]خذوا زينتكم عند كل مسجد[( [85] ).

وفي الحديث: (إن الله جميل يحبّ الجمال)( [86] ) .

16: الصحّة

قال سبحانه في القرآن الحكيم: ]وكلوا واشربوا ولا تسرفوا[( [87] ).

وفي الحديث: (صوموا تصحّوا)( [88] ).

و: (حجّوا تصحّوا)( [89] ).

و: (سافروا تصحّوا)( [90] ).

17: الاستفادة من طاقات الكون

قال تعالى في القرآن الحكيم: ]وسخّر لكم الشمس والقمر دائبين وسخّر لكم الليل والنهار  & وآتاكم من كلّ ما سألتموه[( [91] ) .

18: الصلح والإصلاح

قال سبحانه في القرآن الحكيم: ]والصلح خير[( [92] ).

وقال تعالى: ]وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما[( [93] ).

وقال سبحانه: ]إن يريدا إصلاحاً يوفّق الله بينهما[( [94] ).

19: التعاون

قال تعالى في القرآن الحكيم: ]وتعاونوا على البرّ والتقوى[( [95] ).

20: الاتحاد

قال سبحانه في القرآن الحكيم: ]وإن هذه أمتكم أمة واحدة[( [96] ).

وقال تعالى: ]ولا تفرّقوا[( [97] ).

وقال سبحانه: ]ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم[( [98] ).

21: العمل

قال تعالى في القرآن الحكيم: ]وقل اعملوا[( [99] ).

وفي الحديث: (الكادّ على عياله كالمجاهد في سبيل الله)( [100] ).

22: الفضيلة والأخلاق الطيبة

قال سبحانه في القرآن الحكيم في شأن النبي  صلی الله عليه و آله و سلم : ]ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة[( [101] ).

وقال تعالى: ]وإنّك لعلى خلق عظيم[( [102] ).

وفي الحديث الشريف عن رسول الله  صلی الله عليه و آله و سلم : (إنما بعثت لأتمّمَ مكارم الأخلاق)( [103] ).

23: الاطمئنان وعدم القلق

قال تعالى في القرآن الحكيم: ]ألا بذكر الله تطمئنّ القلوب[( [104] ).

وقال سبحانه: ]ومن يؤمن بالله يهدِ قلبه[( [105] ).

24: العدالة

قال تعالى في القرآن الحكيم: ]وإذا قلتم فاعدلوا[( [106] ).

وقال سبحانه: ]كونوا قوّامين بالقسط[( [107] ).

وقال تعالى: ]إن الله يأمر بالعدل والإحسان[( [108] ).

25: المسؤولية والرقابة الاجتماعية

قال سبحانه في القرآن الحكيم: ]ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر[( [109] ).

وفي الحديث: (كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته)( [110] ).

26: التقدم

قال تعالى في القرآن الحكيم: ]فاستبقوا الخيرات[( [111] ).

وفي الحديث: (من تساوى يوماه فهو مغبون)( [112] ).

27: التوسط في كل شيء ، فلا إفراط ولا تفريط

قال سبحانه في القرآن الحكيم: ]وكذلك جعلناكم أمة وسطاً[( [113] ).

28: الغنى

قال تعالى في القرآن الحكيم: ]ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض[( [114] ).

وفي الحديث: (نعم العون على الدين الغنى)( [115] ) .

29: التكافل الاجتماعي

قال سبحانه في القرآن الحكيم: ]واعلموا انما غنمتم من شيء فأن لله خمسه[( [116] ).

وقال تعالى: ]إنما الصدقات للفقراء والمساكين …[( [117] ) الآية.

30: اليسر والتسامح

قال سبحانه في القرآن الحكيم: ]وأن تعفوا أقرب للتقوى[( [118] ).

وقال تعالى: ]يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر[( [119] ).

31: الحضارة

قال سبحانه في القرآن الحكيم: ]هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها[( [120] ).

وقال تعالى: ]وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا[( [121] ).

وفي الحديث: «تفقّهوا وإلاّ كنتم أعراباً أجلافاً»( [122] ).

32: الحياة.. بما في الكلمة من معنى

قال سبحانه في القرآن الحكيم: ]يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم [( [123] ).

33: الدنيا والآخرة

قال تعالى في القرآن الحكيم: ]ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة[( [124] ).

وفي حديث: (إعمل لدنياك كأنّك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنّك تموت غداً) ( [125] ).

34: القانون لكل شيء

قال سبحانه في القرآن الحكيم: ]اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي[( [126] ).

وقال تعالى: ]ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء[ ( [127] ).

35: الصناعة

ففي نهج البلاغة عن أمير المؤمنين علي  عليه السلام : (ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات وأوص بهم خيراً) ( [128] ).

وقال  عليه السلام : (ولا قوام لهم ـ للمجتمع ـ جميعاً إلا بالتجار وذوي الصناعات)( [129] ).

36: الزراعة

ففي الحديث: (الزارعون كنوز الله في الأرض)( [130] ).

37: العمارة

ففي نهج البلاغة: (وليكن نظرك ـ اهتمامك ـ في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج)( [131] ).

38: النظم

ففي الحديث: (الله الله في نظم أمركم)( [132] ).

39: التعاطف بين الحكومة (القيادة الشرعية) والشعب

قال سبحانه في القرآن الحكيم: ]أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم[( [133] ).

وفي نهج البلاغة: (وأشعر قلبك الرحمة للرعية)( [134] ).

40: و أخيراً.. في مجال الشمول العالمي

قال تعالى في القرآن الحكيم: ]وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين[ ( [135] ).

وقال سبحانه: ]وما أرسلناك إلا كافة للناس[( [136] ).

وفي الحديث: (فانهم ـ الناس ـ صنفان إما أخٌ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)( [137] ).

وهكذا تكون الشيعة تعبيراً عملياً أصيلاً لنهج الإسلام كما طرحه النبي  صلی الله عليه و آله و سلم  وأهل بيته الطاهرون  عليهم السلام ، وهم الصورة العملية لكل ما ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة.

فعلى كل إنسان يحبّ الخير لنفسه ولمجتمعه أن يسعى إلى إزالة الفوارق بين الطوائف الإسلامية تمهيداً لإعادة النظام الإسلامي إلى واقع الممارسة الحية في الوقت الحاضر.

والله الهادي إلى سواء الطريق.

 

فصل  ·

المعتقدات الشيعية


 

عقائد الشيعة

 

إن عقائد الشيعة مستقاة من مصدرين أصليين للإسلام: الكتاب والسنة، وتتلخّص فيما يلي:

التوحيد ·

نحن الشيعة نعتقد بأن الله هو ربنا، وهو خالق هذا الكون الفسيح، الذي فيه ملايين المجرّات ..فيه كواكب أكبر من الشمس ستين مليون مرة، والشمس أكبر من الأرض آلاف المرات..

الله الذي لا شريك له، وهو عادل في فعله وأمره، دائم قائم، حيّ أبدي، عالم قادر، محي ومميت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.

النبوة ·

ونعتقد بأن محمداً  صلی الله عليه و آله و سلم  نبينا، وهو الذي بعثه الله رحمةً للعالمين، وهو آخر الأنبياء وخاتمهم، وهو الذي جاء إلى العالم بدين الإسلام ليكون دين الله تعالى المختار، وهو  صلی الله عليه و آله و سلم   المرشد للبشر إلى مصالح دنياهم و آخرتهم، منذ أن بُعث في مكة المكرمة، إلى أن تقوم الساعة، ودينه ناسخ للأديان.

الأنبياء عليهم السلام  ·

والأنبياء ـ في عقيدتناـ رسل الله تعالى إلى خلقه، الذين بعثهم إلى الناس بأحكامه، وولاّهم قيادة الناس في دنياهم، وتوجيههم إلى الجنة في آخرتهم ..

وعددهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي ورسول، أوّلهم آدم، وآخرهم وأفضلهم محمد بن عبد الله (عليهم جميعاً صلوات الله)..

خمسة منهم أولوا العزم ـ أي الذين كانت رسالاتهم عالمية ـ وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (عليهم الصلاة والسلام)، والأنبياء جميعاً إخوة في الله نعظمهم جميعاً ونواليهم جميعاً و]لا نفرّق بين أحدٍ من رسله[( [138] ).

الإسلام ·

ونعتقد بأن الإسلام هو دين الله المنزل من السماء، لإنقاذ البشر من جميع المشاكل، ولإسعاد الناس في الدنيا والآخرة.

ونرى وجوب العمل بالإسلام في جميع شؤون الحياة، من السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع والحرب والسلم، وفي البيت والمدرسة والمعمل والثكنة وسائر مرافق الحياة.

 ونرى الإسلام دين كامل واف بجميع حاجيات البشر في كل زمان ومكان، فقد قال سبحانه: )اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً(( [139] )، فلا نقص في الإسلام، وأنه أفضل الأديان والمبادئ، وأن البشر لو عملوا بالإسلام ]لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم[( [140] ) .

فالإسلام هو الدين الحق الذي لا يُقبل غيره، ولا يسعد الإنسان في الدنيا ولاينجو في الآخرة إلا به، قال تعالى:)ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين(( [141] ).

وتطبيق الإسلام في العالم أملنا، فإن الإسلام يوفر لكل انسان:

(صحة العقيدة)..

و (حرية الأفراد والجماعات)..

و (سعادة الحياة) بخلاص الإنسان من الفقر والمرض والجهل والجريمة..

و (السلام الشامل بين الأقطار والأفراد والشعوب)..

إذ أن كل إنسان له: حرية الفكر، حرية الكلام، حرية العمل، حرية السفر والإقامة، حرية الكتابة، كل ذلك في إطار نظيف من الشريعة الإسلامية السمحة.

ونعتقد بأن الإسلام له (أصول) و (فروع) و (أحكام) و(أخلاق).. وأن من أنكر الأصول كان كافراً نجساً، ومن أنكر شيئاً من الأقسام الثلاثة الأخرى( [142] ) بلا جهل أو شبهة كان كافراً، ويعبرون عن ذلك بـ (المنكر للضروري)، ومن لم يلتزم بأحكام الإسلام في مجاله الشخصي من دون انكارها فهو فاسق، كما قال الله سبحانه: ]ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون[( [143] ) .

وأن (أصول الإسلام) عبارة عن: (التوحيد) و (النبوة) و(المعاد)، ومن توابع التوحيد (العدل)، ومن توابع النبوة (الإمامة).

وأن (فروع الإسلام) عبارة عن: (الصلاة) و (الصيام) و(الخمس) و (الزكاة) و(الحج) و (الجهاد) و (الأمر بالمعروف) و(النهي عن المنكر) و (التولي لله وأوليائه) و(التبرّي من أعداء الله وأعداء أوليائه)، وما يلحق بذلك من سائر أقسام العبادات مثل (الوضوء) و (الغسل) و (التيمم) و (الاعتكاف) وما أشبه..

وأن (أحكام الإسلام) عبارة عن سائر الأنظمة والقوانين التي جاء بها الرسول صلى الله عليه و آله و سلم من عند الله تعالى، كأحكام (البيع) و(الشراء) و(الرهن) و (الإجارة) و(الطلاق) و (النكاح) و(القضاء) و (الشهادات) و (المواريث) و (القصاص) و(الديات) وما أشبه..

كما نعتقد بأن الإسلام لم يترك شيئا إلا بيّنه، فالسياسة، والاقتصاد، والثقافة، والتربية، والاجتماع، والسلم، والحرب، والزراعة، والصناعة، والعائلة، والحكومة، وسائر الشؤون المربوطة بالإنسان من ولادته إلى يوم مماته، كلها مبيّنة في الإسلام، ولها أنظمة خاصة، وأحكام عادلة، لو أخذ بها البشر سعدوا في الدنيا والآخرة، وأن (حلال محمد صلى الله عليه و آله و سلم حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة)( [144] ) .

القرآن ·

ونعتقد: بأن القرآن الكريم الذي يتلوه كافة المسلمين آناء الليل وأطراف النهار كتابنا، وهو معجزة الرسول الأكرم  صلی الله عليه و آله و سلم  الذي لو اجتمع الجن والإنس على أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه لا يتمكنون من ذلك، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً.

والقرآن هو هذا الكتاب الموجود بين الدفتين، المنتشر في كل الدنيا بمختلف اللغات، يتلى آناء الليل وأطراف النهار، في البيوت والمساجد والإذاعات وغيرها، لاتحريف فيه ولا تبديل، ولا زيادة ولا نقيصة، وقد حفظه الله من تحريف المحرّفين، فما استطاعوا أن يزيدوا فيه حرفاً أو ينقصوا منه حرفاً، كما قال سبحانه: ]إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون[( [145] ).

ونعتقد بأن القرآن جُمع بهذا الأسلوب (أوله سورة الفاتحة وآخره سورة الناس) في عهد رسول الله  صلی الله عليه و آله و سلم   بأمر الله تعالى وبإشراف رسوله  صلی الله عليه و آله و سلم  ، بلا تحريف ولا تبديل، ولا تقديم ولا تأخير فيه، ولا يصح ما يزعمه البعض من انه جمع بعد وفاة رسول الله صلی الله عليه و آله و سلم  .

فالقرآن هو آخر كتاب سماوي أنزله الله على رسوله محمد بن عبد الله  صلی الله عليه و آله و سلم  لإخراج الناس من ظلمات الجهل والفقر والجريمة إلى نور العلم والحق والسعادة، فختم به الشرائع، وجعله دستوراً للبشرية جمعاء، إلى يوم القيامة.

وكان القرآن مصدر عزة المسلمين الأولين وسعادتهم حيث أخذوا به دستوراً للتنفيذ.

فالأجيال المسلمة المعاصرة والصاعدة إذا أرادت التقدم والرقي، كان عليها العمل بالقرآن دستوراً للتنفيذ، وإذا تركته تتخبط في الشقاء والضلال، قال تعالى: ]ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى[( [146] ).

والشيعة يعتنون بالقرآن الحكيم أكبر اهتمام: دراسة، وتجويدا، وتفسيرا، وحفظا، وعملا، وتمسّكا، واحتراماً.. ولهم مدارس خاصة لحفظ القرآن الحكيم، ومنهاجهم هو تطبيق القرآن في الحياة، ودعوة العالم إليه.

القبلة ·

ونعتقد بأن القبلة هي الكعبة المكرمة زادها الله شرفاً، ولا تصح الصلاة إلا
إليها.

الإمامة ·

ونعتقد بأن خلفاء الرسول  صلی الله عليه و آله و سلم   هم الأئمة الإثنى عشر الذين نص على خلافتهم رسول الله صلی الله عليه و آله و سلم  وعينهم من بعده( [147] ) بأمر من الله تعالى..

وقال صلی الله عليه و آله و سلم  : (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) ( [148] ).

وقال صلی الله عليه و آله و سلم  : (سيكون بعدي اثنا عشر خليفة) ( [149] ).

وهم:

1: علي بن أبي طالب: أمير المؤمنين عليه السلام .

2: الحسن بن علي: المجتبى  عليه السلام .

3: الحسين بن علي: سيد الشهداء  عليه السلام .

4: علي بن الحسين: زين العابدين  عليه السلام .

5: محمد بن علي: الباقر  عليه السلام .

6: جعفر بن محمد: الصادق  عليه السلام .

7: موسى بن جعفر: الكاظم  عليه السلام .

8: علي بن موسى: الرضا  عليه السلام .

9: محمد بن علي: الجواد  عليه السلام .

10: علي بن محمد: الهادي  عليه السلام .

11: الحسن بن علي: العسكري  عليه السلام .

12: المهدي بن الحسن: المنتظر  عليه السلام .

الإمام المهدي المنتظر ·

ونعتقد بأن الإمام الثاني عشر المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) حيّ في دار الدنيا، وهو غائب عن الأنظار، بأمر الله تعالى، فإذا أذن الله له ظهر ليملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً، كما أخبر النبي  صلی الله عليه و آله و سلم  في أحاديث متواترة( [150] ) رواها علماء المسلمين أجمع، شيعة وسنة، في كتبهم المعتبرة، ومن نظر إلى كتاب (منتخب الأثر)( [151] )، وكتاب (المهديعليه السلام)( [152] )، علم الكثرة الكاثرة من الروايات الواردة عن الرسول الأكرم  صلی الله عليه و آله و سلم   وأهل بيته الأطهار  عليهم السلام  في هذا الشأن.

فبغيتنا وطلبتنا من الله تعالى هو ظهوره الشريف، كما بشر به النبي صلی الله عليه و آله و سلم  ( [153] )، فاللازم على المسلمين ترقّب ظهوره، وانتظار فرجه، والدعاء له ليل نهار، فإنه منقذ العالم من الدمار والفساد، (اللهم عجّل فرجه وسهّل مخرجه، واجعلنا من
أنصاره).

هذا وقد أيّد العلم الحديث إمكان بقاء الإنسان ألوف السنوات، وفي القرآن الحكيم في شأن نوح عليه السلام :)فلبث فيهم ألف سنةٍ إلا خمسين عاماً(( [154] ).

العصمة ·

ونعتقد: بأن النبي الأكرم  صلی الله عليه و آله و سلم  وفاطمة الزهراء  عليها السلام والأئمة الاثني عشر  عليهم السلام  معصومون عن الذنب والخطأ والنسيان، عصمهم الله منها، وعلى ذلك دلت الأدلة العقلية والنقلية.

فقد قال سبحانه: )إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا(( [155] )، كما تجد تفسير الآية بهم عليهم السلام  في غالب التفاسير( [156] ).

مضافا إلى أن العقل لا يجوّز أن يكون مرجع الأحكام معرَّضا للخطأ والإثم، وإلا لم يوثق بأقواله وأفعاله.

وهؤلاء المعصومون الأربعة عشر أولياء الله الذين من أتبعهم نجا، ومن تخلّف عنهم هلك، فيجب إتباعهم في كل قول وفعل وتقرير، وهذا هو السنة ـ حسب اصطلاح الفقهاء ـ .

وقد خطط هؤلاء الأطهار للحياة الكريمة ـ بتوجيه من الله عزوجل ـ وهم أفضل من جميع المكتشفين والسياسيين والعلماء ومن أشبه.

النبي صلی الله عليه و آله و سلم و علم الغيب ·

ونعتقد أن النبي  صلی الله عليه و آله و سلم  يعلم الغيب بإذن الله تعالى، ويعلم الماضي والحاضر والمستقبل بتعليم الله سبحانه له، كما قال تعالى :)فلا يظهر على غيبه أحداً & إلا من ارتضى من رسول(( [157] ) فالله سبحانه يظهر الرسول  صلی الله عليه و آله و سلم  على غيبه، والرسول  صلی الله عليه و آله و سلم  يعلّم ذلك لمن يشاء بأمر الله تعالى، وقد علّم أهل بيته  عليهم السلام  ذلك.

التولي والتبري ·

ونعتقد: بأنه يجب «التولّي» لله ولرسوله صلی الله عليه و آله و سلم   ولأوليائه، ويجب «التبري» من أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء أوليائه.

المعاد ·

ونعتقد بالمعاد في يوم القيامة، وهو اليوم الذي ينجو فيه المؤمن المطيع ويثاب بجنةٍ عرضها السماوات والأرض، ويخسر فيه الكافر والعاصي ويعاقب بنار جهنم في أشدّ الآلام الجسمية والنفسية.

البداء ·

ونعتقد بـ (البداء) بالمعنى الصحيح، لقوله عز من قائل:)يمحو الله ما يشاء ويثبت(( [158] ) .

ومعنى البداء (الإظهار بعد الإخفاء)، وليس (البداء) بمعنى أن الله سبحانه لم يكن يعلم ثم علم، فإنه كفر صريح لا يقول به مسلم.

الجبر والتفويض ·

ونعتقد بأنه (لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين)( [159] ) كما ورد في الحديث الشريف، ومعناه أن الإنسان ليس مجبوراً في أفعاله كما أنه ليس مختاراً مطلقاً، بل الأعضاء والجوارح والقوى من الله سبحانه، وإرادة فعل الخير أو الشرّ من الإنسان.. فإن أحسن فبتوفيق من الله تعالى، وإن أساء فمن نفسه.

التقية ·

ونعتقد بـ (التقية) في مواردها الشرعية، فإن التقية بمعناها الصحيح من تعاليم الإسلام، ومعناها وجوب حفظ الإنسان لنفسه وماله وعرضه ولنفس سائر المؤمنين وأموالهم وأعراضهم عن الكفار والظالمين، وقد أمر بذلك القرآن الحكيم والرسول العظيم  صلی الله عليه و آله و سلم  والأئمة الطاهرون عليهم السلام ، ففي القرآن الحكيم:

)لا يتّخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة(( [160] ).

وقال سبحانه: )وما جعل عليكم في الدين من حرج(( [161] ).

نكاح المتعة ( [162] ) ·

ونعتقد بمشروعية نكاح المتعة الذي قال الله تعالى عنه: )فما استمتعتم به منهنّ فآتوهنّ أجورهنّ(( [163] )

وبأن (متعة الحج) التي أمر بها الرسول  صلی الله عليه و آله و سلم  في حجة الوداع أصحابه.. من الإسلام.

وأن المتعة كسائر شرائع الإسلام باقية إلى الأبد( [164] )، فإن (حلال محمد حلالٌ إلى يوم القيامة، وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة)( [165] ).

السجود على التربة ( [166] ) ·

ونعتقد بالسجود على الأرض أو ما نبت منها غير المأكول والملبوس، حيث قال الرسول  صلی الله عليه و آله و سلم : (جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً)( [167] ) ، ونحتفظ غالباً على قطعة من الأرض الطاهرة النظيفة لنسجد عليها لله عزوجل أوقات الصلاة، لأنه لايتيسر في كل مكان تراب نظيف، ولا نسجد على كل مكان لا نعلم هل إنه طاهر أو نجس.

وكثيرا ما يكون ذلك التراب من أرض (كربلاء المقدسة) مشهد الإمام الحسين السبط عليه السلام فإنه قد ورد باستحباب الصلاة على أرض كربلاء روايات عن أهل البيت عليهم السلام  وهو يذكّر بوجوب نصرة الإسلام والتضحية في سبيل الدين، كما ثار الإمام الحسين عليه السلام ضد الظلم والطغيان.

الجمع بين الصلاتين ·

ونعتقد بجواز الجمع بين الصلاتين (الظهرين والعشائين) ونجوّز التفريق بينهما، فإن النبي  صلی الله عليه و آله و سلم  كان في بعض الأحيان يجمع بينهما كما ورد بذلك الأحاديث( [168] ).

وفي الجمع تعجيل للخير( [169] ) ، وقد قال تعالى: )وسارعوا إلى مغفرة من ربكم(( [170] )، وقال سبحانه:)فاستبقوا الخيرات(( [171] ) .

مضافاً إلى كونه تسهيلا للعباد، حيث قال تعالى: ]يريد الله بكم اليسر ولايريد بكم العسر(( [172] ).

كما لنا الأدلّة الكافية على مختلف الفروع الفقهية( [173] ) من (الوضوء بالكيفية المتعارفة عندنا) و(الأذان) بفصولها المعتادة لدينا و(الإسبال في الصلاة) وما أشبه من الأمور التي نقوم بها، فإننا مقيدون بأخذ أحكامنا الشرعية صغيرها وكبيرها من الكتاب أو السنة أو ما ثبت بالإجماع أو العقل.

الشفاعة ·

ونعتقد بصحة (الشفاعة) كما ورد في القرآن الحكيم والسنة المطهرة
المقطوعة
( [174] ).

قال الله تعالى:)لا يشفعون إلا لمن ارتضى(( [175] ).

التوسل بالنبي وآله الأطهار عليهم السلام ·

ونعتقد بجواز التوسّل بالنبي  صلی الله عليه و آله و سلم   وآله الأطهار  عليهم السلام ، وقد قال الله عنهم: )وابتغوا إليه الوسيلة(( [176] )، وبجواز الاستمداد بهم عليهم السلام  في طلب الحوائج من الله عزوجل، فإنهم عليهم السلام  أحياء عند ربهم يرزقون، كما ورد في الآية الكريمة بالنسبة إلى الشهداء( [177] ) الذين هم دون النبي  صلی الله عليه و آله و سلم  منزلة( [178] ).

فكما أن الصحابة كانوا يتوسّلون بالنبي  صلی الله عليه و آله و سلم  ويطلبون منه الحاجة حينما كان صلی الله عليه و آله و سلم   حيّاً في الدنيا ( [179] )، كذلك يجوز للمسلمين أن يتوسّلوا به  صلی الله عليه و آله و سلم  ويطلبوا حوائجهم في هذا الحين الذي هو حيّ في دار الآخرة..

فالنبي  صلی الله عليه و آله و سلم   وأهل بيته الأطهار  عليهم السلام  وجهاء عند الله تعالى فنتوسل إليهم لكي يسألوا الباري عزوجل في قضاء حوائجنا.

وقد قال تعالى: ]ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيما[( [180] ).

فالتوسّل إلى الله سبحانه بجاه صاحب القبر من الأنبياء والأولياء جائز، لما ثبت من الأدلة القطعية من الكتاب والسنة والإجماع وسيرة المسلمين على ذلك كله( [181] ).

زيارة المشاهد والتبرك بها ·

ونعتقد باستحباب زيارة قبر النبي  صلی الله عليه و آله و سلم  والأئمة الطاهرين  عليهم السلام  وجواز التبرك بها كما ورد في الأحاديث الشريفة( [182] )، فإنهم أحياء عند ربهم يرزقون، قال تعالى: )ولاتحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون(( [183] )، ومن المعلوم أن الرسول  صلی الله عليه و آله و سلم   وذويه  عليهم السلام  أفضل من الشهداء كما تقدم.

ولذا فإننا نزور قبورهم، ونتبرّك بآثارهم( [184] )، ونقبّل أضرحتهم، وهذا إظهار حب وشغف بالله سبحانه وبأوليائه الطاهرين  عليهم السلام  ، ولا يكون عبادةً لغير الله، بل هو احترام لصاحب الضريح، كما يحترم الإنسان جلد المصحف الشريف ويقبله لا لأنه جلد شاة، بل باعتبار انتسابه إلى (القرآن الكريم)، وكما أمر الإسلام باحترام (الحجر الأسود) وتقبيله لأنه من شعائر الله وليس ذلك عبادة للحجر.

فتقبيل الأضرحة المطهرة فيه ثواب وقربة، مثله مثال تقبيل الحجر الأسود الذي قبّله رسول الله صلی الله عليه و آله و سلم ( [185] ).

بناء الأضرحة ·

ونعتقد بجواز بناء القبور واستحباب بناء المساجد والقباب والأضرحة حول قبر النبي  صلی الله عليه و آله و سلم  والأئمة الأطهار  عليه السلام  والصحابة المؤمنين والشخصيات الإسلامية، فإنها من أفضل القربات إلى الله سبحانه وهي داخلة في قوله سبحانه: )ومن يعظّم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب(( [186] ).

ولقوله تعالى: )قال الذين غلبوا على أمرهم لنتّخذنّ عليهم مسجداً(( [187] ) .

ولما ورد من الأحاديث الشريفة.

وعلى ذلك جرت سيرة المسلمين خلفاً عن سلف بالبناء والإشادة عليها منذ أول الإسلام، وقبر النبي  صلی الله عليه و آله و سلم  بالمدينة المنورة وقبور الأئمة  عليهم السلام  والعلماء والصالحين في مختلف البلاد الإسلامية من أصدق الشواهد على ذلك( [188] ).

زيارة القبور ·

ونعتقد بجواز زيارة القبور بل استحبابها، فإن فيه العبرة لمن أراد أن يتذكر أو يخشى، وقد ورد روايات شريفة في هذا الباب( [189] ). 

النساء و الزيارة ·

ونعتقد بأن دخول النساء في البقيع، أو في سائر مراقد الأنبياء والأئمة والصالحين عليهم السلام  مستحب شرعاً، لاستواء الرجال والنساء في الأحكام الشرعية إلا ما خرج بالدليل القطعي، ولا دليل في المقام على عدم الجواز، بل الدليل على
الجواز
( [190] ).

الصلاة في البقيع ·

ونعتقد أن الصلاة في البقيع، أو في مراقد الأنبياء والأئمة والصالحين عليهم السلام  مستحبة شرعاً، ولا دليل على عدم الجواز( [191] )..

وقد قال سبحانه في قصة أصحاب الكهف:

)لنتخذنّ عليهم مسجداً(( [192] ).

البكاء والعزاء على الإمام الحسين عليه السلام ·

ونعتقد بجواز البكاء بل استحبابه على مصائب النبي  صلی الله عليه و آله و سلم   وآله الأطهار عليهم السلام  ولذلك نعقد المآتم وخصوصاً على الإمام الشهيد الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، فقد أمر النبي  صلی الله عليه و آله و سلم  بالبكاء على عمه (حمزة) شهيد أحد( [193] )، وبكى على الإمام الحسين عليه السلام قبل استشهاده( [194] )، كما جرت بذلك عادة المسلمين منذ صدر الإسلام.

لماذا السباب والتكفير ·

ولنا في كل ذلك أدلة شرعية وعقلية مذكورة في الكتب المفصّلة والمطبوعة، المنتشرة في كل البلاد الإسلامية، فما هذا السباب والتفسيق والتكفير الذي يصدر من البعض تجاه الشيعة الإمامية، فإنه لا يحقّ لمسلم أن يكفر أو يفسق أو يسبّ مسلماً، بمجرد الاختلاف في الاجتهاد. بل عليه أن يعرف أدلة الطرف ومصادره التشريعية.

أليس من اللازم أن يصرف المسلمون طاقاتهم في جمع الكلمة لمحاربة أعداء الإسلام ولإنقاذ بلادهم من أيدي الناهبين، بدل أن يصرفوا الطاقات في التكفير والتفسيق والسباب؟.

الفرائض والأحكام الإسلامية ·

ونعتقد بوجوب إقامة الصلاة، والصيام، وإيتاء الخمس والزكاة، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتولّي لأولياء الله، والتبرّي من أعداء الله، والإتيان بالواجبات، وترك المحرمات، والتخلّي عن الرذائل، والتحلّي بالفضائل.

ونعتقد بوجوب العمل بكافة أحكام الإسلام وفي جميع الأبواب: من العبادات، والمعاملات، والقضاء، والشهادات، والحدود، والدّيات، وسائر القوانين المدونة في الفقه الإسلامي والتي تقرب من مائة ألف قانون.

كما نعتقد بلزوم تطابق جميع الأمور الفردية والاجتماعية مع الإسلام، في السياسة والاقتصاد، والدولة والأمة، والأخلاق والآداب، والمعاملة والمعاشرة، والنكاح والطلاق، والجرائم والعقوبات، وغيرها.

الأخلاق الإسلامية ·

ونعتقد بلزوم الالتزام بالأخلاق الفاضلة والآداب الإسلامية، والاجتناب عن الأخلاق الذميمة والمحرمات الشرعية، فهي عادتنا، وعليه عملنا.

فالأخلاق الإسلامية هي التي ندب الإسلام إليها، أو أوجبها، مثل: (الصدق) و (الأمانة) و (الحياء) و (العفة) و(الشجاعة) و (السخاء) و (النشاط) و (العمل) و (حسن الخلق) و(إفشاء السلام) و (إصلاح ذات البين) و (الألفة) و (الأخوّة) و (الزهد) وما أشبه..

والأخلاق الذميمة هي التي حذّر عنها الإسلام، كراهة أو تحريماً، مثل: (الكذب) و (الغيبة) و (الخيانة) و (سوء الخلق) و(الكسل) و (شرب الخمر) و (أكل الحرام) و (الربا) و (السرقة) و(الزنا) و (اللواط) و (الاحتكار) و (الإفساد) و (البخل) و(الجبن) و (السفور) و (الغناء) و (النميمة) و (البطالة) وما أشبه ذلك..

فالأخلاق هي نظرة تعديل في سلوك الإنسان، قرره الشارع باستحباب الصفات الفاضلة كالصدق والوفاء والاستقامة، والابتعاد عن الصفات الوضيعة كالكذب والخيانة والانحراف. 

الأمة الواحدة ·

ونعتقد بأن المسلمين ـ على اختلاف مذاهبهم ورغم تعدد طوائفهم ـ أمة واحدة، وهم إخوة في الدين، كما قال سبحانه:)كنتم خير أمة أخرجت للناس(( [195] ).

وقال تعالى: )فأصبحتم بنعمته إخوانا(( [196] ).

وقال عزوجل: )إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم(( [197] ).

وأن أيّة محاولة لإلقاء التفرقة بينهم باسم الأقليات أو القوميات أو الطائفيات أو غيرها، لا يجوز شرعاً ولا عقلاً.

ونعتقد بأن الاختلاف في الفروع بين الطوائف الإسلامية ـ النابع عن اختلاف الاجتهادات، مع مراعاة المجتهد الالتزام بالكتاب والسنة ـ لا يوجب تفرقة في الأمة.

كما نرى وجوب تظافر الجهود لتوحيد كلمة المسلمين تحت لواء القرآن الحكيم والسنة المطهرة، وأن أي حكم أو قانون لا يستمدّ من هذين المصدرين، فهو باطل يجب دحضه.

وأن من الواجب تكريس الطاقات لنشر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وتصعيده إلى مستوى الحكم، وكمقدمة لذلك يجب ما يلي:

1: تثقيف المسلمين ثقافة شاملة لأمور الدين والدنيا معاً، حتى يكون لدى المسلمين وعي عام، يؤدي بدوره إلى رأي عام.

2: إيجاد الذهنيات الإسلامية المندفعة نحو العمل البنّاء المستمر في نطاق الأمة.

3: تنسيق الجهود الإسلامية المبذولة على مختلف الصعد، لتتحرّك نحو هدف واحد، وفي ظل نظام واحد.

4: تأسيس المؤسسات الإسلامية في أوسع نطاق ممكن وبمختلف ألوانها من ثقافية واجتماعية وتربوية وغيرها، لتكون قواعد إشعاع، ومراكز تجمّع.

5: تصنيع البلاد الإسلامية، بالصناعات الخفيفة والثقيلة، حتى لا تحتاج إلى الأجانب، فتجرّها الحاجة إلى الانصياع والاستسلام.

قال تعالى: ]ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين[( [198] ).

وقال  صلی الله عليه و آله و سلم : «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه»( [199] ).

تطهير البلاد من المنكرات ·

ونعتقد بوجوب تطهير البلاد من المنكرات التي حرّمها الإسلام، كالخمر والغناء والقمار والزنا والربا والاحتكار والغش والسرقة والقتل وما إلى ذلك من المناهي الواردة في الكتاب والسنة..

ونرى لزوم تظافر الجهود من الحكام والشعوب لإزالة هذه المنكرات، كما
قال سبحانه:
)كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر
(( [200] ).

إعادة مجد الإسلام ·

ونعتقد بلزوم إعادة مجد الإسلام في البلاد، وذلك ممكن، بل إن الله وعد بذلك حيث قال سبحانه: )وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكّننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدّلنّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً(( [201] ).

لكن ذلك مشروط بالإيمان الصحيح والعمل الصالح، ومن العمل الصالح (الألفة) و(نبذ التفرقة والتشتّت) و(الجهاد في سبيل الله بالمال واللسان واليد) فإنه مهما توفّر هذان الشرطان (الإيمان والعمل الصالح) تكون النتيجة التي وعدها الله سبحانه محتومة.

الدعوة إلى الإسلام ·

ونعتقد بوجوب الدعوة إلى الإسلام في شرق الأرض وغربها كما قال سبحانه: )ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون(( [202] ).

وإن هداية إنسان واحد إلى الإسلام خير عند الله مما طلعت عليه الشمس، كما قاله الرسول الأعظم  صلی الله عليه و آله و سلم ( [203] ).

فمن الضروري تشكيل الهيئات، وجمع التبرّعات، وبعث المبلّغين، ونشر الكتب، والتصدي للهجمات التي يشنها الأعداء على الإسلام، سواء في داخل البلاد الإسلامية أو خارجها.

إنهاض المسلمين ·

ونعتقد بأن من الواجب على كل فرد مسلم، حسب قول الرسول صلی الله عليه و آله و سلم  : (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)( [204] ) السعي لإنهاض المسلمين حتى يكونوا هم قادة العالم كما كانوا من ذي قبل.

وذلك أمر ممكن بل ميسور إذا تضافرت الجهود، فإن المسلمين يملكون:

خصوبة النسل

والمنطقة الاستراتيجية

والثروة الطائلة

والمناهج الحية

والدين التقدّمي الوثّاب ..

فإذا سعوا جميعهم لـ :

(الف): تعميم الإيمان.

(ب): وإزالة المنكرات، التي منها القوانين غير الإسلامية.

(ج): وإطلاق الحريات.

(د): وفتح باب الاجتهاد من الكتاب والسنة والإجماع والعقل، وجعلها المصدر الوحيد للتشريع.

(هـ): وجعل أساس الحكم الاستشارة مع الفقهاء بالشريعة العدول العارفين بالحياة ومتطلّبات الزمن.

(و): وإرجاع الأخوة الإسلامية، بدل القوميات والطائفيات والإقليميات ونحوها..

كان رجوع السيادة إلى المسلمين كلمح البصر بإذن الله سبحانه.

قال الله تعالى: )إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم(( [205] ) وهو الموفق المستعان.

 

فصل  ·

حضارة الشيعة


التعداد العام
·

 

تدل الإحصاءات الأخيرة بأن عدد الشيعة يربو على خمسمائة مليون نسمة( [206] )، وهم موجودون في أكثر بلاد العالم، شرقها وغربها، ومنتشرون في كافة بلاد الإسلام، وفي كثير من البلاد غير الإسلامية، ولهم حضارتهم المستقاة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وسيرة أهل بيته الأطهار  عليهم السلام  .

ولهم في العراق وإيران والهند والباكستان والخليج ولبنان وسوريا وأفغانستان وتركيا وإندونيسيا والسعودية واليمن، وبعض بلاد إفريقيا وأوروبا وأمريكا وغيرها.. الكثير من العلماء والمراجع، والمدارس الدينية، والمعاهد العلمية، والمساجد والحسينيات، والمؤسسات الخيرية، والمكتبات والمراكز، ومختلف أنواع الكتب، ومدارس حفظ القرآن الحكيم، وسائر الشؤون الإسلامية، حتى أن في قطر إسلامي واحد يوجد لهم ما يقارب ربع مليون عالم وخطيب ومؤلف وطالب علم.

ولهم في طول التاريخ الإسلامي: حكومات، وعلماء، وكتّاب، وشعراء، وفلاسفة، ومفكرون، ومدارس، ومؤلفات، ومكتبات، وخطباء ومرشدون.

ولهم مواقف دينية مشرّفة منذ عهد الرسول الأعظم  صلی الله عليه و آله و سلم  وإلى اليوم، ومن أحبّ التوسّع في معرفتهم فليراجع أيّ بلد يتواجدون فيه، ليطّلع على كنوز من المعرفة والجهاد والإخلاص.

 الشيعة والتاريخ الإسلامي ·

 للشيعة أنصع الصفحات في الفتوحات الإسلامية، وصد تيار الهجمات على الإسلام والمسلمين، وإرساء دعائم الإسلام في البلاد، وبعث المبشرين والمبلّغين لهداية الناس، وبثّ تعاليم القرآن الحكيم طيلة التاريخ الإسلامي:

أ: فملوك آل بويه لهم اليد الطولى في نشر الإسلام في العراق وما والاها.

ب: وملوك آل حمدان لهم الأيادي البيضاء في سورية وأطرافها.

ج: وملوك الصفويين لهم الخدمات الجليلة الباقية آثارها إلى اليوم في إيران وأفغانستان وتلك النواحي.

د: وملوك القطب شاهية لهم المآثر الكبرى في الهند ونواحيها، إلى غيرهم وغيرهم.

هـ: كما أن أيادي آية الله نصير الدين الطوسي رحمه الله ( [207] ) جلية في صد هجمات المغول.

و: وخدمات العلامة الحلي( [208] ) في حفظ البلاد عن الانحراف في قضية
(خدا بنده).

ز: وجهاد السيد المجاهد( [209] ) ضد الصليبية القيصرية الروسية.

ح: وكفاح المجدّد( [210] ) ضد المستعمر الغربي في قضية التبغ (التنباك) الشهيرة.

ط: ومجاهدات شرف الدين( [211] ) لتطهير أقطار سوريا ولبنان عن الاستعمار الفرنسي.

ي: وإشعال الإمام الشيرازي( [212] ) ثورة العشرين لإخراج المستعمر عن
العراق..

إلى غيرها وغيرها.. كل ذلك من أقوى الشواهد لجهادهم المتواصل وتحفظهم على البلاد واهتمامهم بنشر الإسلام وحفظ كيانه والوقوف والتضحية وردّ الهجمات.

أما جهادهم في العصر الحاضر فحدّث عنه ولا حرج، ويكفيك أن تعلم أن جملة من علماء الشيعة والبارزين منهم من أهل العلم قضوا أعمارهم في المنافي والسجون والمعتقلات دفاعاً عن الإسلام وحفظاً لكيان المسلمين..

كما أن مساهماتهم في الدفاع عن قضية فلسطين والقدس الشريف وسائر الأراضي المحتلة شيء غني عن البيان..

ويكفيك أن تطالع كتب (كفاح العلماء الأعلام) و(موقف علماء الإسلام من اليهود) و(الحقائق الناصعة)( [213] ) للإطلاع على جانب صغير من كفاحهم
وجهادهم.

أما خدمات الشيعة بالنسبة إلى (الثقافة) و(الاقتصاد) و(السلام) و(السياسة الراشدة) و(عمران البلاد) و(الصناعة) وما أشبه فكثيرة، مما تحتاج إلى مجلدات ضخمة، وقد ذكرنا شيئاً يسيراً عن خدماتهم في مجال الصناعة في كرّاس (واقع الشيعة)( [214] ).

الشيعة والعلوم الإسلامية ·

وقد وضعت الشيعة أسس العلوم الإسلامية( [215] )، وذلك مثل:

أبي الأسود الدؤلي( [216] )، أول من كتب في النحو بإرشاد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام .

والخليل بن أحمد( [217] )، الذي وضع علم (العروض).

وجابر بن حيّان( [218] )، تلميذ الإمام الصادق  عليه السلام  وقد اكتشف:

الكيمياء الحديثة، فقد تناولت كتاباته التي تربو على السبعمائة: الفلزّات وأكاسيدها، وأملاحها، وأحماض النتريك والكبريتيك والخليك،كما عالجت القلويات تحضيراً وتنقية بالبلورة والتقطير والترشيح والتصعيد، وأدخل في الكيمياء عنصري التجربة والعمل، وبذلك يعتبره العالم (أباً للكيمياء).

وإشعاع راديو أكتيف في الأجسام، فقد وضعه بصورة مبهمة ـ كما يقول عبد الرحمن المصري ـ.

كما اكتشف وجود عناصر أخرى غير التي كانت مشهورة عند القدماء، وكان يقول: لقد عرفت في تجاربي أن هناك عناصر أخرى في التراب غير أني لا أملك الوسائل الكافية لاستخراجها.

والتلفون أو التلغراف حيث يقول المؤرّخون: إنه كان لجابر بن حيان شبه صندوق صغير يتصل طرف منه إلى صندوق آخر بالأسلاك وكان يتكلم به مع بعض الناس مع أن الفاصلة بينه وبين الطرف الآخر كانت كبيرة .

واخترع طائرة صغيرة كان (خالد البرمكي) يجلس فيها ويطير في الهواء، وكان بوسع هذه الطائرة أن تستقرّ في الهواء مدة مديدة وربما كانت من نوع الطائرات السمتية.

واخترع أيضاً (حاجباً) أوتوماتيكياً من الحديد ووضعه بوّاباً على مقرّ أحد الوزراء، وكان هذا الحاجب يتحرك ويمشي، كما كان يقتل المتسلّلين الذين لا يراعون القواعد التي وضعها (جابر) للدخول على الوزير.

وبكلمة: فإن لجابر بن حيان تأثيراً بالغ الأهمية على أكثر الاختراعات الحديثة، وله الفضل الكبير على هذا العصر كله بتأسيسه علم الكيمياء.

ونصير الدين الطوسي( [219] ) صاحب (مرصد مراغة) الشهير وقد كان: أول من أبدى آراءً جديدة في الدوائر الفلكية، وانتقد الهيئة البطليموسية انتقاداً علمياً، وأول من وضع أصول علم المثلّثات، وبذلك يعتبره الغرب واضع أسس علم الصواريخ. وكانت له آراء جديدة ونافعة في باقي فروع علم الرياضيات. كما اخترع الأدوات الجديدة التي كانت تستعمل في مرصده وكانت عظيمة الفائدة.

والشيخ بهاء الدين العاملي( [220] ) : اكتشف بعض قوانين تردد الصدى والانعكاسات الصوتية واستعملها في بعض مساجد أصفهان، كما استفاد من قوانين ضغط الماء وتساوي سطوحه في حديقة فين بكاشان. ووضع قواعد جديدة في الحساب.

وغيرهم من العلماء المفكرين الذين زخرت بهم الكتب.

 

 

فصل  ·

خلفاء الرسول صلى الله عليه و آله و سلم

 

(الشيعة) تعتقد ـ كما سبق ـ بأن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم عيّن من بعده اثني عشر خليفة، وأوجب على الأمة اتباعهم والأخذ عنهم والرجوع إليهم، حيث قال صلی الله عليه و آله و سلم  في الحديث المتواتر عند المسلمين: (الخلفاء بعدي اثنا عشر)( [221] )..

وقال  صلی الله عليه و آله و سلم : (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا)( [222] ) .

والخلفاء كما عيّنهم الرسول  صلی الله عليه و آله و سلم  في حديث جابر( [223] ) وغيره( [224] ): هم على الترتيب المذكور في هذا الجدول أدناه( [225] ) مع تاريخ ولادتهم ووفاتهم ومحل قبورهم:


جدول أسماء المعصومين والأئمة الطاهرين عليهم السلام
 ·

اسم المعصوم

تاريخ الولادة

تاريخ الوفاة

محل الدفن

النبي الأكرم محمد بن عبد الله  صلی الله عليه و آله و سلم

17 ربيع الأول

28 صفر

المدينة المنوّرة

الإمام علي أمير المؤمنين عليه السلام

13 رجب

21 رمضان

النجف الأشرف

بنت الرسول فاطمة الزهراء عليهاالسلام

20 جمادى الثانية

3 جمادى الثانية

المدينة المنورة

الإمام الحسن بن علي عليه السلام

15 رمضان

7 صفر

المدينة المنورة

الإمام الحسين بن علي عليه السلام

3 شعبان

10 محرم

كربلاء المقدسة

الإمام علي بن الحسين عليه السلام

15 جمادى الأولى

25 محرم

المدينة المنورة

الإمام محمدبن علي الباقر عليه السلام

3 صفر

7 ذي الحجة

المدينة المنورة

الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام

17 ربيع الأول

25 شوال

المدينة المنورة

الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام

7 صفر

25 رجب

الكاظمية المشرفة

الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام

11 ذي القعدة

آخر صفر

خراسان المقدسة

الإمام محمد بن علي الجواد عليه السلام

10 رحب

آخر ذي القعدة

الكاظمية المشرفة

الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام

2 رجب

3 رجب

سامراء المشرفة

الإمام الحسن بن علي العسكري عليه السلام

10 ربيع الثاني

8 ربيع الأول

سامراء المشرفة

الحجة بن الحسن المهدي القائم عجل الله تعالى فرجه

15 شعبان

حيّ يرزق، عجّل الله تعالى فرجه الشريف

وهؤلاء الأئمة الاثنا عشر وفاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين بنت رسول الله  عليهم السلام  كلهم كالرسول الأعظم  صلی الله عليه و آله و سلم  في العلم والحلم، والفضيلة والأخلاق، والطهارة والعصمة، وسائر الفضائل النفسية، والكمالات الروحية، باستثناء النبوة التي هي خاصة بالرسول  صلی الله عليه و آله و سلم ..

وكلهم نور واحد، من تمسك بهم نجى ومن تخلّف عنهم غرق وهوى( [226] )، وفاطمة الزهراء  عليه السلام  زوجة الإمام وأم الأئمة الميامين وليست بإمام.

مختصر في تاريخ الأئمة ·

إن الرسول الأعظم  صلی الله عليه و آله و سلم  وبنته الصديقة الطاهرة  عليه السلام  والخلفاء الاثني عشر  عليهم السلام  الذين أمر النبي  صلی الله عليه و آله و سلم  بإطاعتهم وإتباعهم، قد خطّطوا للحياة السعيدة تخطيطاً كاملاً، فهؤلاء الأطهار دستورٌ كامل للحياة الفاضلة، وقدوة صالحة لكل شؤون الإنسان في جميع الأزمان.

وهم أسوة للبشرية في مختلف المراحل، في الشؤون الحكومية والاقتصادية والسياسية والتجارية والأخلاقية والعسكرية والزراعية والصناعية والثقافية والقضائية، والفردية والعائلية وغيرها.

وذلك لأنهم  عليهم السلام  قاموا بمختلف الأدوار الحيوية من حاكم ووزير وقائد وجندي وثائر ومعلم ومربّ ومعتزل وتاجر وزارع ومكافح وسجين ومشرَّد ومحارب ومسالم وغير ذلك.

وفي اليوم الذي اخذ العالم يتبع مناهج هؤلاء السادة تصبح الدنيا جنة نعيم،  وقد ادّخر الله الإمام المهدي عليه السلام  لمثل هذا اليوم.

ولنذكر هنا مختصراً من أحوال كل واحد من الأئمة المعصومين عليهم السلام ؛ ونبدأ بأحوال أمهم: فاطمة عليها السلام بنت النبي صلی الله عليه و آله و سلم  زوج الوصي عليه السلام.

بنت النبي  صلی الله عليه و آله و سلم ·

هي: فاطمة الزهراء  عليها السلام.

أبوها: رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم محمد بن عبد الله.

وأمها: السيدة العظيمة (خديجة) أم المؤمنينعليها السلام .

وزوجها: سيد الأوصياء علي أمير المؤمنين عليه السلام .

وأولادها وأحفادها: الأئمة الطاهرون عليهم السلام .

ولدت في يوم العشرين من جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين من مولد النبي صلى الله عليه و آله و سلم.

وتوفيت مظلومةً يوم الثلاثاء ثالث جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة من الهجرة، وعمرها ثمان عشرة سنة.

قام بتجهيزها أمير المؤمنين عليه السلام  ودفنها في المدينة وأخفى قبرها حسب        وصيتها.

وكانت  عليها السلام كأبيها في العبادة والزهد والفضيلة.

وقد أنزل الله فيها آيات من القرآن الحكيم( [227] ).

وكان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم لقّبها بـ«سيدة نساء العالمين»( [228] )، و«سيدة نساء أهل الجنة»( [229] ).

وكان رسول الله صلی الله عليه و آله و سلم   يحبها حبّاً كثيراً حتى أنها كانت إذا دخلت عليه صلى الله عليه و آله و سلم رحّب بها وقام لها وأجلسها في محله، وربما قبّل يديها.

وكان صلى الله عليه و آله و سلم يقول: «إن الله يرضى لرضا فاطمة، ويغضب لغضبها»( [230] ).

ويقول: «فاطمة بضعة مني»( [231] ).

وقد ولدت  عليها السلام لأمير المؤمنين عليه السلام : الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام، والمحسن عليه السلام  لكنه سقط لما أصابها من الأذى، والسيدة زينب عليها السلام ، والسيدة
أم كلثوم
عليها السلام.

الإمام الأول ·

هو: الإمام علي بن أبي طالب  عليه السلام ، وأمه: فاطمة بنت أسد.

وهو: ابن عم رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، وزوج ابنته، والخليفة على الناس من بعده، أمير المؤمنين، ووالد الأئمة الطاهرين عليهم السلام  .

ولد عليه السلام في الكعبة المعظمة بمكة، يوم الجمعة، ليلة ثالث عشر من رجب بعد ثلاثين سنة من ولادة رسول الله  صلى الله عليه و آله و سلم .

واستشهد ليلة الجمعة في مسجد الكوفة في المحراب، بسيف ابن ملجم الخارجي (لعنه الله) ليلة التاسع عشر من شهر رمضان المبارك، ولحق بالرفيق الأعلى بعد ثلاثة أيام من ضربته، وعمره الشريف ثلاث وستون سنة.

قام بتجهيزه الإمامان الحسن والحسين  عليهما السلامودفن في النجف الأشرف حيث مرقده الآن.

من فضائل أمير المؤمنين عليه السلام ·

وللإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام من الفضائل والمناقب ما لا يحصى:

فإيمانه بالله عزوجل، حيث كان أول من أسلم وآمن برسول الله صلى الله عليه و آله و سلم( [232] )..

ولم يسجد لصنم قط.

وجهاده في سبيل الله تعالى يوم:

(بدر)( [233] )..

و (أحد)( [234] )..

و (خيبر)( [235] )..

و (حنين)( [236] )..

و(الأحزاب)( [237] )..

وغيرها( [238] ).

وكان النصر معقوداً برايته عليه السلام في جميع حروبه  صلی الله عليه و آله و سلم   ولم ينهزم قط.

ومبيته على فراش الرسول  صلی الله عليه و آله و سلم  ليلة الهجرة( [239] ).

وعلمه الكثير حتى قال الرسول  صلی الله عليه و آله و سلم  : (أنا دار الحكمة وعلي بابها)( [240] )، وقال صلى الله عليه و آله و سلم: «أنا مدينة العلم وعلي بابها»( [241] )، رواه جماعة من العلماء، منهم أحمد بن حنبل في المناقب.

وقد بلغ من حسن قضائه أنه قال فيه رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : «أقضاكم علي»( [242] ).

ومن تلازمه الحق أن قال صلى الله عليه و آله و سلم فيه: «علي مع الحق والحق مع علي»( [243] ).

وكان  عليه السلام  عادلاً في الرعية، قاسماً بالسوية، زاهداً في حطام الدنيا، فكان عليه السلام يأتي إلى بيت المال وينظر إلى الذهب والفضة ويقول: «يا صفراء ويا بيضاء غرِّي غيري»( [244] )، ثم يفرقها على الناس..

وكان  عليه السلام  يرحم المسكين، ويجالس الفقراء، ويقضي الحوائج، ويحكم بالحق، ويقضي بالعدل.

وبالجملة.. كان عليه السلام كالنبي صلى الله عليه و آله و سلم في جميع الصفات، إلا النبوة، حتى جعله الله تعالى في آية المباهلة( [245] ) نفس النبي صلى الله عليه و آله و سلم( [246] ).

ومن فضائله عليه السلام:

حديث (المنزلة) الذي رواه جماعة كبيرة من العلماء:

كالبخاري( [247] )..

ومسلم( [248] )..

وغيرهما ( [249] ).

قال في الصواعق( [250] ): (أخرج أحمد أن رجلا سأل معاوية عن مسألة، فقال: سل عنها علياً فهو أعلم، قال: جوابك فيها أحب إليّ من جواب علي، قال: بئس ما قلت لقد كرهت رجلا كان رسول الله يعزه بالعلم عزّاً، ولقد قال له:«أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» وكان عمر إذا أشكل عليه شيء أخذ منه) .

ومنها: حديث (سدّ الأبواب):

فقد سدّ النبي  صلی الله عليه و آله و سلم  بأمر الله تعالى أبواب الدور التي كانت مشرعة إلى المسجد إلا باب بيت علي  عليه السلام ، فقد روى جمع من العلماء ذلك( [251] )، منهم: الحاكم في المستدرك( [252] ).

حتى أن عمر بن الخطاب كان يقول: (لقد أُعطي علي بن أبي طالب ثلاثا لأن تكون لي واحدة منها أحبّ إليّ من حمر النعم: زوجته فاطمة بنت رسول الله، وسكناه المسجد مع رسول الله يحل له ما يحل له فيه، والراية يوم خيبر) ( [253] ).

وقد أجمع المفسرون( [254] )أنه نزل في علي  عليه السلام  قوله سبحانه: )إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون
الزكاة وهم راكعون
& ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون(( [255] )  ـ كما في كنز العمال( [256] ) ـ.

وقد كتب كثير من علماء السنة كتبا في فضائل علي  عليه السلام  مثل: (المناقب) للخوارزمي الحنفي، و(ينابيع المودة) للقندوزي الحنفي و...

الإمام الثاني ·

هو الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، وأمه فاطمة الزهراء بنت محمد صلى الله عليه و آله و سلم وهو سبط رسول الله  صلى الله عليه و آله و سلم وثاني خلفائه، والإمام على الناس بعد أبيه أمير المؤمنين عليه السلام .

وُلد عليه السلام في المدينة المنورة يوم الثلاثاء في منتصف شهر رمضان في السنة الثانية أو الثالثة من الهجرة، وتوفي شهيداً بالسم يوم الخميس السابع من شهر صفر سنة تسع وأربعين، وقام بتجهيزه أخوه الإمام الحسين عليه السلام ، ودفن في البقيع في المدينة المنورة حيث مضجعه الآن.

وكان عليه السلام  أعبد الناس في زمانه، وأعلمهم، وأفضلهم، وكان أشبه الناس بالنبي صلى الله عليه و آله و سلم ، وكان أكرم أهل البيت عليهم السلام  في زمانه، وأحلم الناس( [257] ).

وكان من كرمه عليه السلام:

أن قدّمت له جارية من جواريه طاقة ريحان، فقال لها: أنت حرة لوجه الله، ثم قال: كذا أدبنا الله ..قال الله تعالى: ]وإذا حُيِّيتم بتحية فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها[( [258] ))( [259] ).

ومن حلمه عليه السلام:

أن شامياً رآه راكباً، فجعل يلعنه، والإمام الحسن عليه السلام  لا يرد عليه، فلما فرغ، أقبل الإمام الحسن عليه السلام فسلّم عليه وضحك فقال: أيها الشيخ أظنك غريباً ولعلك شبهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك، وإن كنت جائعا أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسوناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كانت لك حاجة قضيناها لك..

فلما سمع الرجل كلامه بكى، وقال: أشهد أنك خليفة الله في أرضه، ]الله أعلم حيث يجعل رسالته[ ( [260] )) ( [261] ).

الإمام الثالث ·

هو الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، وأمه فاطمة الزهراء بنت محمد صلى الله عليه و آله و سلم ، وهو سبط رسول الله، وثالث خلفائه، وأبو الأئمة التسعة من بعده، والإمام على الناس بعد أخيه الحسن عليه السلام .

وُلد عليه السلام بالمدينة المنورة، ثالث شهر شعبان، في السنة التي ولد فيها الحسن عليه السلام ( [262] )، وقتل ظلماً بالسيف ظامئاً، في واقعة عاشوراء المشهورة يوم السبت العاشر من محرم الحرام سنة إحدى وستين من الهجرة، قام بأموره بعد ثلاثة أيام ولده الإمام زين العابدين عليه السلام ، وواراه حيث قبره الآن في كربلاء المقدسة، العراق.

وفضله أكثر من أن يذكر، فهو ريحانة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم:

قال  صلى الله عليه و آله و سلم:(حسين مني وأنا من حسين)( [263] ).

وقال صلى الله عليه و آله و سلم فيه وفي أخيه الحسن عليه السلام : (هما ريحانتاي من الدنيا)( [264] ).

وقال صلى الله عليه و آله و سلم : (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)( [265] ).

وقال  صلى الله عليه و آله و سلم: (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)( [266] ).

وكان عليه السلام أعلم الناس، وأعبدهم، فقد كان يصلي كل ليلة ألف ركعة كأبيه أمير المؤمنين عليه السلام ، وكان يحمل في كثير من الليالي جرابا من الطعام إلى الفقراء، حتى شوهد أثره بعد قتله، وكان كريماً، عظيماً، حليماً، وإذا عصي الله تعالى شديداً.

ومن كرمه عليه السلام: أن أعرابياً قصده مستعطياً، وأنشد فيه:

لم يخب الآن من رجاك ومن

 

 

حرّك من دون بابك الحلقة

 

أنت جواد وأنت معتمد

 

 

أبوك قد كان قاتل الفسقة

 

لولا الذي كان من أوائلكم

 

 

كانت علينا الجحيم منطبقة

 

فأعطاه الإمام الحسين عليه السلام  أربعة آلاف دينار، واعتذر قائلا:

خذها فإني إليك معتذر

 

 

واعلم بأني عليك ذو شفقة

 

لو كان في سيرنا الغداة عصى

 

 

أمست سمانا عليك مندفقة

 

لكن ريب الزمان ذو غير

 

 

والكف مني قليلة النفقة( [267] )

 

وقد أحيى  عليه السلام  بنهضته الجبارة ـ التي لم يسبق لها في العالم مثيل ـ شريعة الإسلام، ودين جده رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، بل وأحيى العالم كله إلى يوم القيامة، فهو  عليه السلام  سيد الشهداء وأفضل الناس بعد أخيه.

الإمام الرابع ·

هو الإمام علي بن الحسين عليه السلام  و أمه (شاه زنان) بنت الملك (يزدجرد)، ولد عليه السلام بالمدينة المنورة يوم النصف من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين من الهجرة، يوم فتح أمير المؤمنين علي عليه السلام  البصرة، ومات مسموماً يوم السبت الخامس والعشرين من شهر المحرم سنة خمس وتسعين، وعمره الشريف سبع وخمسون سنة، وتولى تجهيزه ولده الباقر عليه السلام  ودفن في المدينة المنورة بالبقيع.

وكان عليه السلام  في العلم، والعبادة، والفضيلة، والورع، وإغاثة الملهوفين.. أوحدي زمانه، وقد روى عنه الفقهاء ما لا يحصى كثرة وحفظ عنه من المواعظ والأدعية، وغيرها الشيء الكثير.

وكان عليه السلام  يخرج في الليلة الظلماء فيحمل الجراب على ظهره وفيه الصرر من الدنانير والدراهم، وربما حمل على ظهره الطعام أو الحطب، حتى يأتي باباً باباً من دور الفقراء فيقرعه ثم يناوله من يخرج إليه، وكان يغطي وجهه لئلا يعرفه الفقير، فلما مات عرفه أهل المدينة أنه عليه السلام  كان صاحب الجراب.

وكان عليه السلام  يعجبه أن يحضر طعامه اليتامى والزمن والمساكين.

وكان من حسن أخلاقه عليه السلام: أن يدعو في كل شهر خدمه( [268] )، ويقول: من أراد منكن التزويج زوجتها، أو البيع بعتها، أو العتق أعتقتها.

وكان  عليه السلام  إذا أتاه السائل يقول: مرحباً بمن يحمل زادي إلى الآخرة.

وكان  عليه السلام  من شدة ورعه يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وإذا حضرت الصلاة اقشعر جلده، واصفر لونه، وارتعد كالسعفة، ومن ألقابه (ذوالثفنات) لأثر السجود في جبهته وكفيه وركبتيه.

وقد شتمه رجل وأسمعه ما لا يحب وهو  عليه السلام  ساكت لايتكلم، وبعد مدة مضى إليه الإمام عليه السلام  فظن الحاضرون أنه يريد أن يقابله بالمثل، فقرأ  عليه السلام : ]والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين[